الخميس ٢٦ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: شباط ١١, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
هل ما يهدد عالمَ الإسلام اليوم أزمةٌ روحية؟ - إبراهيم غرايبة
تبدو أزمة عالم الإسلام الشرق أوسطي اليوم أنه عاجز عن الاهتمام الإيجابي العميق بالعالم، وهذا يجعله غير قادر على أن يلاحظ الأحداث والتحولات التي يمر بها العالم، ومن ثم أن ينتمي إليه ويشارك فيه، وأن يتقبله العالم. لكن الأزمات والظواهر بعامة تتخذ سلوك الكائنات الحية القادرة على التكيف والتموضع والتخفي على نحو يجعلها مموهة ملتبسة، وقادرة على البقاء والنمو السرطاني، ففيما ينشغل العالم بالتصدي المباشر للإرهاب والتطرف والكراهية، فإنه يدخل في متاهة مبتعداً من جوهر معاناة الأفراد والمجتمعات والدول في الشرق الأوسط، أو من ملاحظة أنها تدخل إلى عالم التطرف والاستبداد بسبب عجزها عن أن تكون جزءاً من العالم، وأنها تحمي خواءها الروحي العميق بالهوس الديني وتداري فشلها في المشاركة في العالم بكراهيته.

يمكن بمقدار من البداهة والمتابعة للأحداث الجارية والأفكار المتداولة في الشرق الأوسط الإسلامي ملاحظة لماذا لا يؤدي هذا التدين الكاسح إلى قدرة على حب العالم ومشاركته محاولاته في الارتقاء بنفسه وتطوير حياته وإدارتها، ولماذا لا يؤدي الخطاب الديني إلى قدرة على فهم ما يجري في العالم أو على الأقل الاهتمام الكافي والبسيط به. فلا نلاحظ على سبيل المثال في الإعلام العربي بعامة والديني والشعبي بخاصة وجوداً لتطور العلاقات الكوبية الأميركية، وما يتسرّب من معلومات وتكهنات حول كوريا الشمالية، والانتخابات اليونانية وما يعنيه هذا الاتجاه إلى اليسار، وتجديد الثقة بحزب العمال البرازيلي وقدرة الحزب بقيادة دا سيلفا، ثم السيدة ديلما روسيف على مضاعفة الناتج المحلي وتطوير الاقتصاد والتعليم والخدمات الأساسية، ومثل البرازيل تشيلي، أو الأمجاد الهندية الصاعدة وتناقضاتها (كما يصفها أمارتيا سن)، أو التراجع الاقتصادي في الصين، أو الركود الياباني، أو سوق النفط والطاقة وتقنياتها. وحتى في قاعات الدروس الجامعية للشباب الناشئة لا يبدو للأحداث والتحولات حضور ومتابعة ولا معرفة عنها سوى المؤامرة الصهيونية على العالم. وعن إسرائيل المجاورة والقائمة في قلب الشرق الأوسط لا يبدو ثمة معرفة أو اهتمام بها حتى لدى الأكثر خصومة لها مثل «حزب الله» و «حماس»، فهما يقاتلان عدواً لا يفهمانه ولم يقتربا منه، وقل الشيء نفسه عما يبذله العالم من جهود علمية وإنسانية لعلاج الأمراض ومقاومة الأوبئة والعمل في مواجهة الكوارث والتلوث والتغير المناخي.

وأسوأ ما تقع فيه النخب الشرق أوسطية عندما تحسب نفسها في منأى عن الأزمة أو أنها مختلفة في شيء عن المتطرفين، ولا ترى عجزها عن الاهتمام الكافي بالعالم واستيعابه. فأزمة التطرف الديني وصعود الإرهاب وتناميه تصرف النظر عما تؤشر إليه حال الثقافة والإعلام الذي تديره وتستهلكه النخبة المهيمنة التي تحسب نفسها علمانية وليبرالية، وما يكشفه من غيبوبة وانفصال عميق وكراهية لا تقل خطراً وغرابة عن المتطرفين والمتدينين.

والحال أنها أزمة روحية ونفسية تهدد الوجود الإسلامي في كياناته ومصائره، وإذا لم يدرك المسلمون عمق أزمتهم ويرتقوا بأنفسهم روحياً إلى المستوى الذي يجعلهم جزءاً من العالم قادراً على المشاركة والتأثير الإيجابي فيه فإنهم يتحولون من عبء على أنفسهم وعلى العالم إلى جزء خطير من العالم ليس من حل سوى نبذه، وربما تحويله إلى منطقة محاطة بالأسلاك الشائكة المكهربة، يمنع الدخول إليها أو الخروج منها. ربما لن يحدث ذلك بالمعنى المادي المباشر، ولكنه ليس شرطاً لزوال الوجود الإسلامي وتحول المسلمين إلى جماعات معزولة تجرى حروب ومجازر تفنيهم، فالأزمة الروحية القائمة تكفي لزوال وعيهم بذاتهم وإدراكهم وفهمهم للعالم المحيط، ما يجعل مصيرهم بطبيعة الحال مثل مصير الآراميين والبيزنطيين والفرس. فلماذا وكيف انقرضت اللغات الآرامية واللاتينية بعدما كانتا لغتين عالميتين حيويتين؟

الاهتمام الإيجابي السليم بالعالم عنصر أساسي وضروري في التكوين النفسي والروحي للأفراد والمجتمعات والدول، يمنحها السلام ويحميها من الخواء والانقراض، ويجعلها قادرة على الارتقاء والانسجام، وهذا ما يفسر مثلاً الفرق بين سنغافورة، البلد الذي أنشأ معدلاً فردياً في الدخل يساوي 60 ألف دولار لستة ملايين مواطن يعيشون في سبعمئة كيلومتر مربع، وكانوا في منتصف الستينات يبدون عندما نبذتهم ماليزيا مثل ورقة في مهب الرياح، وبين ليبيا ذات المليون وستمئة ألف كيلومتر مربع وبحار النفط والغاز والعاجزة عن تأمين البقاء لملايينها الستة!

* كاتب أردني



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
من "ثورة الياسمين" إلى "الخلافة الإسلامية"... محطّات بارزة من الربيع العربي
لودريان: حرب فرنسا ليست مع الإسلام بل ضد الإرهاب والآيديولوجيات المتطرفة
نظرة سوداوية من صندوق النقد لاقتصادات الشرق الأوسط: الخليج الأكثر ضغوطاً... ولبنان ‏الأعلى خطراً
دراسة للإسكوا: 31 مليارديرًا عربيًا يملكون ما يعادل ثروة النصف الأفقر من سكان المنطقة
الوباء يهدد بحرمان 15 مليون طفل شرق أوسطي من الحصول على لقاحات
مقالات ذات صلة
المشرق العربي المتروك من أوباما إلى بايدن - سام منسى
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
إردوغان بوصفه هديّة ثمينة للقضيّة الأرمنيّة
إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها - حازم صاغية
عن تسامح الأوروبيين ودساتيرهم العلمانية الضامنة للحريات - عمرو حمزاوي
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة