السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آذار ٢٤, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
الموجة المفاجئة من الإحباط النخبوي في القاهرة ؟ - جهاد الزين

أشرقت الشمس الديموقراطية العربية من المغرب (تونس) ولا تزال، رغم اختلاط الأمور أو "البغبغة" في ليبيا (•)، وسطعت في مصر مما يجعل حجبها مستحيلا – بسبب هذا السطوع – في العالم العربي.


لكن الملاحظ ان الثورة المصرية التي أدت الى تحويل القيم الديموقراطية الى معيار الحياة العامة العربية حتى وهي لا تزال في أشهرها الاولى ولم تتبلور بعد في نظام سياسي واضح وثابت، الملاحظ أن موجة من الاضطراب أصابت أجزاء من نخبتها المؤثرة بعد نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية.


فبمجرد إعلان النتيجة، وهي 77 بالماية للذين قالوا "نعم" للتعديلات، بتنا نقرأ مقالات ونسمع ونشاهد مواقف تحاول التقليل من القوة الديموقراطية لهذه النتيجة بنسبتها الى تحالف حركة الاخوان المسلمين مع ما تسميه هذه المواقف "فلول الحزب الوطني" الحاكم السابق في نظام الرئيس محمد حسني مبارك، أو تتحدث عن معضلات النخب المصرية وأزماتها التي تهدد مكاسب الثورة.
لقد كان الاصطفاف الذي أسفرت عنه الدعوة الى الاستفتاء مفاجئا بحيث ظهر الأمر مباشرة كمواجهة سريعة وغير متوقعة حتى قبل أسابيع، بين "حركة الاخوان المسلمين" من جهة  وجميع النخب الليبرالية والقومية والمحافظة من الجبهة التي يتزعمها محمد البرادعي الى الناصريين الى الوفديين الى الماركسيين ناهيك عن النخب القبطية... من جهة أخرى.


هذا الاصطفاف سمح – قبل الأوان – بانتصار فعلي لـ "الاخوان  المسلمين" بين قوى الثورة على جميع قواها الأخرى.
لهذا عبرت الصدمة عن نفسها بأشكال مختلفة... إلا أن الشكل الأكثر مدعاة للقلق بينها هو هذا الاحباط المبكر الذي أصاب العديد من هذه النخب... بينما ما زال العرس الثوري المصري... وارتداداته التفاؤلية العربية في الذروة.


حين يظهر ان جزءا مهما من النخب المصرية قد أحبطته نتيجة الاستفتاء فهذا أمر مؤذ... ذلك أنه علينا ان لا ننسى أن هذه الثورة هي ثورة نخب بالمعنى الواسع للكلمة، ثورة نخب مدينية أطلقها جيل شاب وانضمت اليها أجيال مختلفة من ورثة التجارب السياسية والفكرية المصرية على مدى القرن العشرين. إنها ثورة "جماهير نخب" من الطبقة الوسطى تجمعت أساسا في ميدان التحرير وباقي ميادين مدن مصرية كبيرة.


لكن الظاهرة الأكثر سلبية لنتيجة الاستفتاء والتي تحتاج الى تأمل ودراسة هي هذا الاصرار من شخصيات ونخب قيادية مصرية على عدم الاعتراف بقوة "الاخوان المسلمين"، حتى إنه نسب قبل أكثر من اسبوعين الى بعض الشخصيات المصرية المؤيدة للثورة قولها إن "الاخوان المسلمين انتهوا في مصر"!


نفهم حق رفض حزب ديني على المستوى الايديولوجي والسياسي. ففي بلد ثنائي التكوين الاجتماعي الديني من مسلمين وأقباط، من الطبيعي وجود نخب واسعة تصر على التشكيك في قدرة حزب ديني اسلامي على ادارة الدولة. وحتى في دول وحدانية النسيج الديني هناك تيارات واسعة تشكك وترفض القبول بامكانية ادارة تيار ديني للتحديات المعاصرة في القرن الحادي والعشرين.


لكن "الاخوان المسلمين" المصريين عدا عن تاريخهم الطويل كمكون سياسي اساسي في المجتمع المصري، بدا في السنوات الاخيرة أنهم تطوروا فكريا وسياسيا باتجاه قبول الفكرة الديموقراطية الليبرالية. وأنا هنا أتحدث عن "حركة الاخوان المسلمين" المصريين حصرا، لأنه في بعض الدول العربية الاخرى ما زال أمامهم امتحان كبير في اظهار قابليتهم لأن يكونوا جزءا من مجتمع سياسي تعددي وليس قوة حرب أهلية مع المكونات الاخرى كما في بعض دول المشرق.


لقد سعى "الاخوان المسلمون" المصريون – أي حركتهم القيادية وهي الحركة – الأم في هذا التيار الى بذل اقصى ما يمكنهم خلال الايام الاولى للثورة في الانكفاء داخل التحالف الواسع الذي نشأ في "ميدان التحرير". لكن الثورة الآن خرجت من "ميدان التحرير" الى كل الخارطة المصرية لتبني الوضع الديموقراطي الجديد مع تحدياته الهائلة الاقتصادية والاجتماعية والوطنية.
من هنا نصل الى النقطة الأهم:


إذا كانت الديموقراطية في مصر لا بد أن تمر بواقع (هل هو واقع؟) كون "الاخوان المسلمين" المصريين القوة السياسية الأوسع في المجتمع – حتى لو كانوا أقلية نسبية على مستوى النخب – فهل يمكن مواجهة ذلك بالتجاهل او عدم الاعتراف؟


قطعا لا. ولربما بات المطلوب تركيز جزء مهم من جهود السجال والبحث في الحياة السياسية اليومية على مدى ما يمثله "الاخوان" والدور الذي أخذوا يلعبونه للمرة الاولى في تاريخهم والذي يمكن أن يأتي بهم الى السلطة التنفيذية بشكل رسمي... ايضا للمرة الاولى في تاريخهم.
استمرار رصد الفكر الديني ومشكلاته ومخاطره في الحياة السياسية شيء واستمرار التجاهل او عدم الاعتراف بوزنه شيء آخر... ناهيك عن متغيراته المفترض – كما حصل في ميدان التحرير – ان تشهد دعما لإيجابياتها وتصديا مباشرا ايضا لسلبياتها وفق "الإجماعات" المتولدة في الثقافة السياسية المصرية المنفتحة عميقا على العصر.
الخطورة هي أن تؤدي عقد الماضي الى تجديد "ثقافة استبعاد" في الخطاب السياسي، حتى لو كان – ثقافيا – استبعاد الاقلية للأكثرية. وهي كلها من المفترض ان تكون أكثريات وأقليات ظرفية في نظام ديموقراطي راسخ.


والنخب المصرية بثقافتها الديموقراطية قادرة على مواجهة أي محاولة سيطرة "ظلامية" أو اسقاطها على المدى الأبعد، إذا كان خطرها موجودا أصلا وليس – حاليا – مجرد مبالغات فئوية.
نتيجة الاستفتاء هي دعم أكيد للمسار الديموقراطي المصري... باتجاه لا بد أن يسفر عن دستور جديد تماما لأن الدستور الحالي – أو مواده الاساسية المتبقية – تحتاج الى اعادة نظر عبر صياغة جديدة للدستور بكامله تفتح التعديلات الدستورية الباب أمامها.

 

• يروي أحد الظرفاء المصريين ان "حشاشا" كان يملك ببغاء قليلة التهذيب. وفي كل مرة كان يستضيف فيها أصدقاءه للتدخين يأخذ الببغاء بشتم ضيوفه فيعتذر صاحب البيت قائلا: "ده لخبط الببغان".
في احدى المرات وعلى غير عادته، بينما كانت "الجلسة" منعقدة أخذ الببغاء بامتداح ضيوف صاحبه بأفضل العبارات مما أثار دهشتهم. هنا نظر المضيف اليهم عبر غمامة الدخان المنتشرة في الغرفة، قائلا: "دايما كان يلخبط الببغان... المرة دي بغبغ اللخبطان".



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة