السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آذار ٢٤, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
قراءة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية المصرية

في 19 آذار الجاري ذهب المصريون بكثافة إلى صناديق الاقتراع لأول مرة منذ ستة عقود، وذلك للاستفتاء على تعديل بعض المواد في دستور العام 1971 الذي حكم به حسني مبارك مصر لمدة ثلاثة عقود.


شارك 18 مليوناً و537 ألفاً و954 مصرياً في الاستفتاء من أصل 45 مليون شخص يحق لهم الاقتراع، وبالتالي بلغت نسبة المشاركة 41,19 %. ووصلت نسبة المصوتين بالموافقة على التعديلات إلى نحو 77,2% من المشاركين، في حين بلغت نسبة المصوتين بلا نحو 22,8% من إجمالي المشاركين في الاستفتاء.


وبلغت نسبة الأصوات الصحيحة 18 مليوناً و366 ألفاً و764 صوتا في حين بلغت الأصوات الباطلة 171 ألفا و190 صوتا أي أقل قليلاً من 1% من إجمالي الأصوات.
جاء الاستفتاء ليكون الاستحقاق الجماهيري الأول بعد انتصار الثورة المصرية التي أجبرت الرئيس السابق حسني مبارك على التنحي عن السلطة في 11 شباط الماضي. ترافق الاستفتاء مع فرز واضح للحركات والتيارات السياسية بين مؤيد لهذه التعديلات ومعارض لها، وبحيث تخطى الفرز مسألة النصوص الدستورية ودلالاتها القانونية والحقوقية حتى لامس ملامح المشهد السياسي الجديد والطريق الذي ستسلكه مصر في الفترة المقبلة.


ظهر الفرز بوضوح مع تأييد التيار الإسلامي ومعه فلول النظام السابق للتعديلات، يدعمهم في ذلك قطاع مهم من المصريين تأثر بشكل واضح بفزاعات الفراغ الدستوري والفراغ الأمني ومخاوف الانهيار الاقتصادي، وهي الفزاعات التي استخدمت من الإخوان وفلول الحزب الوطني الحاكم سابقاً ومن الإعلام الرسمي بكثافة واضحة قبيل الاستفتاء. وعلى الجهة المقابلة رفضت التيارات السياسية الأخرى من ليبراليين وناصريين ويساريين هذه التعديلات الدستورية، بالإضافة إلى تبلور كتلة تصويتية مسيحية صوتت في غالبيتها الساحقة ضد التعديلات. كما أن قطاعاً مهماً من شباب الثورة الطامحين إلى إحداث تغيير سياسي جذري وشامل يبدأ بإسقاط الدستور 1971 وصياغة دستور جديد يحقق طموحاتهم في التغيير قد صوتوا أيضاً ضد التعديلات الدستورية.


ترأس لجنة تعديل الدستور المستشار طارق البشري بتكليف من المجلس العسكري الأعلى وبعضوية باقة من الفقهاء الدستوريين. والبشري شخصية وطنية رفيعة ذو اتجاه إسلامي ويحظى بتقدير غالبية التيارات السياسية.


قلصت التعديلات ولاية الرئيس إلى فترتين فقط مدة كل منهما أربع سنوات بدلاً من فترات ولاية غير محدودة مدة كل منها ست سنوات. كما قيدت التعديلات صلاحية الرئيس في حل البرلمان وفي إعلان حالة الطوارئ، وفتحت باب الترشح لرئاسة الجمهورية أمام القادرين على جمع توقيعات 30 ألف مواطن أو توقيع ثلاثين عضوا في البرلمان، بدلاً من الشروط التعجيزية التي ينص عليها الدستور السابق لعام 1971 ، والمعدل في العام 2005 بما يتناسب وقياس وقيافة جمال مبارك نجل الرئيس المخلوع.


وبعيداً عن نص ومنطوق التعديلات، يحاجج المؤيدون بأن هذه التعديلات تفتح الطريق أمام انتخابات برلمانية بعد شهور قليلة ومن ثم انتخابات رئاسية، وبشكل يسمح بانتقال السلطة من الجيش إلى ممثلين للإرادة الشعبية بأقل قدر من الخسائر السياسية والاقتصادية. أما المعارضون للتعديلات فيرونها بمثابة ترقيع لدستور سقط أصلاً مع انتصار الثورة، وبالتالي فصياغة دستور جديد يضمن حقوق المصريين وحرياتهم الأساسية هو الأجدى بالبحث، فضلاً عن أن التعديلات الدستورية مازالت تترك لمنصب الرئيس صلاحيات واسعة تؤدي – كما يقول المعارضون للتعديلات- إلى استمرار هيمنة رئيس الجمهورية على إدارة العملية السياسية في البلاد.
تلخص التخوف الأساسي للرافضين في مسألة لا تتعلق بالنقاش حول التعديلات في حد ذاتها، وإنما بنتيجتها السياسية التي ستفضي إلى التعجيل بالانتخابات البرلمانية، وهو ما سيقود على الأرجح إلى اقتسام البرلمان المقبل بين الإخوان المسلمين وفلول الحزب الوطني الحاكم سابقاً، بتأييد ومباركة من الجيش.


كان النقاش حول نص وروحية التعديلات الدستورية هو مبرر الخلاف بين المؤيدين والمعارضين على السطح، ولكن في العمق دار الصراع حول الفترة الزمنية التي أرادتها الأطراف المختلفة للوصول إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة. ففي حين أراد المؤيدون للتعديلات التعجيل بالانتخابات البرلمانية لما يملكونه من نفوذ وتأثير في قطاعات شعبية متباينة؛ ويتيح فرص أكبر في الحصول على كتلة برلمانية وازنة، فإن المعارضين للتعديلات استهدفوا إطالة أمد الفترة الانتقالية حتى الانتخابات البرلمانية لمنع فلول الوطني والإخوان من تحقيق هذا الهدف. وفي الوقت عينه استغلال الفرصة الزمنية الأطول نسبياً – في حال التصويت بلا- لبلورة القوى الاجتماعية البازغة مع انتصار الثورة، خاصة الشباب، في أحزاب سياسية جديدة قادرة على المنافسة والتعريف بها على نطاق جماهيري معقول. يمكن القول بكثير من الاطمئنان أن المؤشر السياسي الأهم من نتائج الاستفتاء يتمثل في التقدم السريع لحركة الإخوان المسلمين إلى بؤرة المشهد السياسي بعد انتصار ثورة 25 يناير 2011.

خلفيات التصويت في كل محافظة


على الرغم من أن نسبة المشاركة في هذا الاستفتاء بلغت 41%، إلا أنها تعد أقل من المعدلات الإقليمية السائدة، حيث بلغت في تركيا مثلاُ حوالى 77% في الاستفتاء على التعديلات الدستورية العام 2010. ولكن نظراً الى فقدان المصريين الثقة في عملية التصويت برمتها طيلة العقود الستة الماضية، يمكن اعتبار أن هذه النسبة مبررة للغاية وربما فوق التوقعات. ومن التصريحات ذات الدلالة في هذا الشأن أن رئيس اللجنة المشرفة على الاستفتاء المستشار أحمد محمد عطية قال إنه شخصياً "يذهب للمرة الأولى للإدلاء بصوته"!
يمكن تقسيم المحافظات التي صوتت بنعم تنازلياً وفقاً للنتائج إلى ست مجموعات تبدأ من الأعلى تصويتا للخيار نعم:

 

1- المحافظات النائية مثل الوادي الجديد ومطروح:


جاءت أعلى نسب التصويت بنعم في المحافظتين النائيتين الوادي الجديد (غرب) ومطروح (شمال غرب) البعيدتين تقليدياً عن الحراك السياسي في مصر ومركزه الحواضر الكبرى.


2- المحافظات الريفية في شمال مصر (الوجه البحري) مثل كفر الشيخ والشرقية والقليوبية والدقهلية:

 

يمكن تفسير وضع المحافظات الريفية شمال مصر في المجموعة الثانية من حيث كثافة التصويت بنعم إلى انتشار الثقافة المصرية التقليدية الأكثر ميلاً إلى مفاهيم ثقافية مثل "الإستقرار" و"عودة الهدوء" وهي المفاهيم التي راجت بشدة في وسائل الإعلام المملوكة للدولة قبيل الاستفتاء ومساندة مشهودة من الإخوان المسلمين والسلفيين ذوي التأثير الكبير في المناطق الريفية والأحياء الشعبية في المدن. ولكن هناك استثناء يحتاج تفسيرا ويتمثل في محافظة الغربية التي كانت أقل المحافظات الريفية في اختيار نعم. وربما يعود ذلك التباين في السلوك التصويتي للغربية إلى وجود قاعدة صناعية عمالية في عاصمة المحافظة، مدينة المحلة الكبرى. وهي التي شهدت أحداث العنف العمالي والجماهيري في 6 نيسان 2008.


3- المحافظات الريفية في جنوب مصر (الصعيد): أسيوط وسوهاج والمنيا.


على الرغم من تشابه البيئة الثقافية بين المحافظات الريفية في شمال مصر وجنوبها من حيث طابعهما الريفي، إلا أن محافظات الجنوب كانت أقل من محافظات الشمال في التصويت بنعم. ويمكن تفسير ذلك بعاملين اثنين: الأول يظهر في تردي مستوى المعيشة في المتوسط في محافظات الجنوب الريفية مقارنة بمثيلاتها في الشمال، والثاني يتجسد في وجود نسب أعلى من المسيحيين في محافظات الجنوب، وهم الذين اختاروا في غالبيتهم الساحقة التصويت بلا. ويصل هذا التفسير الطائفي إلى ذروة كفايته المنطقية في قرية أطفيح التي شهدت أعمال عنف طائفي بعد هدم سلفيين إحدى الكنائس قبل أسابيع قليلة حيث شهدت هذه القرية أدنى درجات التصويت بنعم في الاستفتاء.


4- محافظات منطقة قناة السويس: الإسماعيلية والسويس وبور سعيد:


يجمع بين المحافظات الثلاث كونها الأكثر تضرراً بين المحافظات المصرية من الصراع العربي-الإسرائيلي نظراً الى قربها الجغرافي من ساحات المواجهة مع إسرائيل، وقيامها بأدوار مهمة في المقاومة الشعبية. ويجمع بين المحافظات الثلاث أيضاً شعور متفاوت بالغبن التاريخي النابع من شعور سكانها بإهمال الدولة المصرية بشكل عام، ويتفاقم هذا الشعور في محافظة السويس تحديدًا، التي شهدت أعلى مستويات العنف خلال أحداث الثورة. واتساقاً مع هذه الفرضية، كان متوقعاً أن تكون محافظة السويس الأقل تصويتاً للخيار نعم من المحافظتين الأخريين في منطقة قناة السويس، إلا أن السلوك التصويتي للسويس جاء الأعلى في هذه المجموعة بتأييد التعديلات الدستورية. ويمكن تفسير ذلك في ضوء النفوذ الكبير لحركة الإخوان المسلمين التي تتمتع بحضور واسع في السويس. كما يمكن استنتاج الدوافع الكامنة وراء السلوك التصويتي لمحافظة بورسعيد التي جاءت الأخيرة بين المحافظات الثلاث المكونة لهذه المجموعة، بقرار الرئيس المخلوع مبارك إلغاء وضعية بورسعيد كمنطقة حرة في إطار خطته لتركيز الموارد الاقتصادية في يد فئة ضيقة من أصحاب المصالح المرتبطين بالنظام. أضر هذا الإلغاء ضرراً بليغاً بمصالح قطاعات واسعة من سكان بورسعيد، التي كانت المحافظة المصرية الوحيدة التي جرت فيها محاولة لاغتيال حسني مبارك مطلع الالفية الثالثة، وهي المحافظة ذاتها التي صوتت ضد مبارك ولمصلحة مرشح المعارضة أيمن نور في انتخابات الرئاسة التي جرت العام 2005.


5- المحافظات التي تعتمد على السياحة كنشاط رئيسي: جنوب سيناء وأسوان.


يمكن تفسير السلوك التصويتي لهذه المحافظات بكونها تعتمد في شكل أساسي على السياحة في تحصيل مواردها، وأن العاملين في هذا القطاع عادة ما يبدون قلقهم من تأثر هذا القطاع سلباً في حال اقتراب التيارات الدينية من مركز صنع القرار السياسي، وما يمكن أن يؤدي إليه –من وجهة نظرهم- من قيود محتملة على حركة السياحة.


6- الحواضر الكبرى في القاهرة الكبرى والإسكندرية:


جاءت أقل نسب تصويت بنعم في منطقتين أساسيتين تتميزان بالطابع الحضري وليس الريفي. المنطقة الأولى وتضم القاهرة الكبرى (خاصة محافظتي القاهرة والجيزة)؛ بالإضافة إلى المحافظتين الحضريتين اللتين تمثلان الامتداد الحضري المباشر للقاهرة وهما أكتوبر وحلوان. ويلاحظ هنا أن التصويت بنعم في أرقى أحياء القاهرة مثل قصر النيل والدقي والمعادي انخفض ليتساوى تقريباً مع التصويت بلا. الاستثناء الوحيد من هذه الملاحظة يتمثل في إحدى محافظات القاهرة الكبرى وهي محافظة القليوبية، التي صوتت بنعم أيضاً ولكن بنسبة أعلى من متوسط هذه المجموعة، نظراً للطبيعة الريفية غير الحضرية لها. أما المنطقة الثانية التي شهدت أقل نسب تصويت بنعم فكانت محافظة الإسكندرية وامتدادها الجغرافي في محافظة البحيرة، وذلك على الرغم من الحضور الإخواني والسلفي المعروف في الإسكندرية. تمثل هاتان المنطقتان القلب الديموغرافي الحضري الأكبر في مصر، حيث تتبلور الطبقتان المتوسطة والعليا ذات المستوى الاقتصادي والتعليمي الأفضل نسبياً مقارنة بباقي المحافظات.

 

( تقرير أعده مركز الشرق للدراسات الاقليمية والاستراتيجية (القاهرة) الذي يديره مصطفى اللباد www.sharqnameh.org



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة