|
تفجر ضيق المصريين ويأسهم من الفقر والفساد والقمع أمس غضباً عارماً، فخرجوا بالالاف الى شوارع القاهرة والاسكندرية والسويس وغيرها من كبرى مدن مصر، متحدّين النظام الذي يحكم قبضته على البلاد منذ 30 سنة، رافعين شعارات تطالب برحيله، وهم يطلقون هتافات تندد برئيسه حسني مبارك، في يوم غضب سالت فيه الدماء في أكثر من شارع مصري، ولم تسلم مبان حكومية وحزبية من التخريب والحرق والنهب. ومع قطع السلطات خدمات الانترنت وتضييقها على الاتصالات الهاتفية، سادت وكالات الانباء ووسائل الاعلام بلبلة في شأن خطاب مرتقب للرئيس المصري، قبل أن تنفي تقارير من القاهرة أية اطلالة لمبارك. ومساء، أعلن منع ليلي للتجول في القاهرة والاسكندرية والسويس ونشرت قوات الجيش مع آلياتها للتعامل مع الاحتجاجات الشعبية التي قالت مصادر طبية أنها أسفرت عن سقوط خمسة قتلى في العاصمة و13 في السويس وإصابة المئات.
وبينما كان الكر والفر مستمرين في الشوارع بين الشرطة والمتظاهرين، وفيما كان دخان الحرائق يختلط بدخان قنابل الغاز المسيل للدموع، أطل مذيع على التلفزيون الرسمي ليعلن أن الرئيس المصري حسني مبارك قرر بصفة كونه الحاكم العسكري للبلاد منع حظر التجول في ثلاث محافظات، هي القاهرة الكبرى والاسكندرية والسويس التي شهدت اعنف التظاهرات والتي اكدت وكالة انباء الشرق الاوسط المصرية "أ ش أ" ان وحدات من الجيش بدأت تنتشر فيها فعلاً.
ولاحقاً، أوردت الوكالة المصرية أن قرار منع التجول يشمل كل محافظات البلاد، قبل أن تعود وتتراجع عنه. كذلك، أصدر مبارك "قراراً بأن تقوم القوات المسلحة بالتعاون مع جهاز الشرطة لتنفيذ هذا القرار وللحفاظ على الامن وتأمين المرافق العامة والممتلكات الخاصة". وصدر هذا القرار بموجب حال الطوارئ السارية في البلاد منذ 30 سنة وبعدما عجزت الشرطة عن السيطرة على مئات الالاف من المتظاهرين في مناطق مختلفة من البلاد، على رغم استخدامها قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاط.
عصي وقنابل غاز وبدأت التظاهرات التي دعت اليها حركة" شباب 6 ابريل" وانضمت اليها قوى المعارضة الاخرى سلمية فور انتهاء صلاة الجمعة في معظم محافظات مصر، ورفعت شعاراً مستوحى من الثورة التونسية هو "الشعب يريد اسقاط النظام".
لكن قوات الشرطة تصدت للمتظاهرين بالعصي و قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاط، وخاضت معهم معارك في شوارع القاهرة. وفي الساعات الاولى للمساء، اتخذت الاشتباكات منحى عنيفاً وفشلت قوات الامن في السيطرة على الوضع وخصوصاً في القاهرة والاسكندرية والسويس حيث صب المحتجون غضبهم على عدد من مكاتب الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم فحطموا واجهات بعضها وأضرموا النار في أخرى.
وبث التلفزيون المصري مشاهد لالسنة اللهب تتصاعد من المقر المركزي للحزب الوطني الحاكم على كورنيش النيل في قلب القاهرة. وبثت قناة "الجزيرة" الفضائية القطرية أن المتظاهرين حطموا واجهة مقر الحزب الوطني في مدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية بدلتا مصر. وفي مدينة الاسماعيلية في شرق البلاد، قالت قناة "العربية" إن متظاهرين اقتحموا مقر الحزب الوطني الحاكم.
وفي مدينة كوم امبو في أقصى جنوب مصر، روى شاهد إن محتجين أشعلوا النار في مقر الحزب الحاكم. وقالت مصادر إن محتجين حطموا واجهة المجلس المحلي لمحافظة دمياط المطلة على البحر المتوسط ومقر الحزب الوطني الديموقراطي واقتحموهما. وأوضح أن قوى الأمن حاولت منعهم بإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع عليهم، لكنهم واصلوا الهتاف والتكسير في المقر.
وفي مدينة الاسكندرية المطلة على البحر المتوسط، قال شاهد إن محتجين اقتحموا مبنى المحافظة بعد اشتباك مع الشرطة استمر نحو ساعة، "وراحوا يلقون الملفات والمقاعد من الشرفات". وتحركت بعد ذلك مجموعة من المتظاهرين في اتجاه منطقة باب شرق المجاورة حيث حاولت اشعال النار في قسم الشرطة الواقع في شارع جمال عبد الناصر، وهو طريق محوري في الاسكندرية. وفي الازبكية وحلوان بالقاهرة، أضرم متظاهرون النار في مركزين للشرطة.
القاهرة وكان الالاف بدأوا التجمع في ميدان التحرير في القاهرة بعيد صلاة الجمعة، وراحوا يهتفون: "الشعب يريد إسقاط النظام" و "سلمية.. سلمية.. سلمية"، و"ارحل ارحل يا مبارك .. الطيارة في انتظارك". ورمى آخرون صورا لمبارك بأحذية أو ركلوها. ومع تزايد حدة الهتافات، هاجمت الشرطة الحشود بالهراوات ووابل من قنابل الغاز المسيل للدموع.
وقال شهود ان قوى الامن أطلقت الرصاص المطاط وقنابل الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه على المحتجين الذي ردوا عليها بالحجار وهتفوا "ليسقط ليسقط حسني مبارك" وداسوا صوراً للرئيس. وبثت "الجزيرة" ان قتيلة سقطت واصيب العشرات في الاشتباكات قرب ميدان التحرير.
وتحدث شهود عن تجمع المحتجين الغاضبين قرب قصر رئاسي في ضاحية مصر الجديدة بالقاهرة. وسمع إطلاق نار قرب مبنى البرلمان. وانضم المدير العام السابق للمنظمة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي الى نحو الفي شخص ادوا صلاة الجمعة في احد احياء الجيزة التي يفصلها نهر النيل عن وسط القاهرة. وقالت "الجزيرة" ان الشرطة لم تسمح له بمغادرة المنطقة.
ومساء، تظاهر الالاف امام مبنى التلفزيون ودعوا أفراد الجيش المتمركزين هناك الى دعم مطالبهم، وهم يهتفون "الجيش والشعب يد واحدة"و "هو الجيش فين؟ شوفوا الشرطة بتعمل فينا إيه. إحنا عايزين الجيش.. إحنا عايزين الجيش".
وحيا المتظاهرون قوات الجيش عندما بدأت تنتشر في الشوارع اذ تحظى المؤسسة العسكرية، خلافاً لجهاز الامن، بالتقدير في مصر. وأشعل محتجون تحدوا منع التجول النار في ثلاث عربات للشرطة حول المتحف المصري الذي حاول متطوعون منع المتظاهرين من الوصول الى بواباته.
الاسكندرية وفي الاسكندرية، دارت اشتباكات بين آلاف من المتظاهرين والشرطة فور انتهاء صلاة الجمعة في مسجد القائد ابرهيم بميدان محطة الرمل، وهي الساحة الكبرى بوسط المدينة. فبينما كان المتظاهرون يهتفون "مش عاوزينه، مش عاوزينه" حاولت الشرطة تفريقهم باستخدامها قنابل الغاز المسيل للدموع واطلاقها رصاصاً مطاطاً في الهواء، غير انهم اتجهوا صوب شارع الكورنيش وهم يقذفون قوى الامن بالحجار.
السويس وفي السويس، على مسافة 100 كيلومتر شرق القاهرة، اتخذت الاحتجاجات منحى دموياً أيضاً، مع مقتل متظاهر في مدينة السويس، عندما اطلقت قوى الامن النار لمنع الاف المتظاهرين من اقتحام مركز شرطة في هذه المدينة الواقعة على القناة التي تحمل الاسم عينه.
وقال المصدر نفسه ان المتظاهرين أحرقوا ثماني سيارات للشرطة وقسم شرطة الاربعين بوسط المدينة واستولوا على الاسلحة الموجودة فيه، بعدما هرب منه رجال الشرطة. وبعد ذلك، وضع المتظاهرون القتيل وهو سائق يدعى حمادة لبيب السيد (30 سنة) في نعش واتجهوا به نحو مديرية امن السويس.
وخرجت في المحلة الكبرى التي تكثر فيها المصانع بوسط دلتا مصر مسيرات حاشدة، وهي تهتف: "يسقط النظام" و"يسقط يسقط حسني مبارك". ومساء، تحدثت مصادر طبية عن 13 قتيلاً في السويس. وفي المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية تظاهر الالاف، وكذلك في المنيا على مسافة كيلومتر جنوب القاهرة.
توقيفات وفي اجراء استباقي، اوقفت قوى الامن فجر أمس 20 على الاقل من قادة جماعة "الاخوان المسلمين" وكوادرها، بينهم ستة من اعضاء مكتب الارشاد (المكتب السياسي) للجماعة وعدد من النواب السابقين.
وكان الناشطون الشباب بدأوا بث رسائل قصيرة على الهواتف وعبر البريد الالكتروني في اطار تنظيمهم للتظاهرات التي دعوا اليها في انحاء مصر عقب صلاة الجمعة واطلقوا عليها "جمعة الغضب". وقالت صحيفة "الاهرام" الحكومية ان مبارك، الذي لم يظهر ولم يدل بأي تصريح خلال الايام الثلاثة الاخيرة، "يتابع الاحداث ويتصل بمحافظ السويس للاطمئنان الى المواطنين".
واعلنت وزارة الثقافة ان الرئيس مبارك سيفتتح معرض القاهرة الدولي للكتاب اليوم.ومساء، أفاد مصدر مسؤول في شركة "مصر للطيران" أن الرحلات الجوية من مصر ستستمر باستثناء فترة منع التجول المقررة من السادسة مساء حتى السابعة صباحا بالتوقيت المحلي. وبثت "العربية" ان شركة الخطوط الجوية الكويتية أوقفت رحلاتها الى مصر "انتظارا لاستقرار الاوضاع" بعد احتجاجات مناهضة للحكومة هناك.
صحافيون وفي باريس، أفاد مراسل هيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي" أسد الله صاوي الذي تعرض للضرب المبرح على ايدي الشرطة المصرية ان رجال الشرطة يستهدفون الصحافيين الاجانب الذي يغطون احداث التظاهرات المناهضة للحكومة في العاصمة المصرية. وقال: "لقد اخذوا مني الكاميرا، وعندما اعتقلوني بدأوا يضربونني بقبضان معدنية كالتي تستخدم هنا لذبح الحيوانات... لقد استخدموا معي الاسلاك الكهربائية". وقال مصور "وكالة الصحافة الفرنسية" ان شرطة القاهرة صادرت بطاقة الذاكرة في كاميرته والتي كانت تحتوي على صور للمتظاهرين وهم يواجهون قوى الامن. وكانت الشرطة المصرية اعتقلت اربعة صحافيين فرنسيين كانوا يغطون التظاهرات في القاهرة صباح الجمعة قبل ان تفرج عنهم لاحقا. (و ص ف، رويترز،أ ب، أ ش أ، ي ب أ)
|