الأحد ٢٢ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: حزيران ٢٤, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
ملاذات فكريّة وسياسيّة آمنة للتطرّف - إبراهيم غرايبة
يُلاحَظ أن معظم إن لم تكن جميع موارد التطرف والإرهاب موجودة في بيئة آمنة ومحمية من السياسات التعليمية والدينية والاجتماعية المتّبعة في الدول العربية، وفي التراث الديني والتاريخي والفقهي المتّبع لدى الدول والمجتمعات الإسلامية. وما تدعو إليه وتنادي به الجماعات المتطرفة، ليس أمراً مختلفاً عما هو مطبّق ومتّبع في عالم الإسلام منذ قرون طويلة، ولا يختلف ما يدعو إليه المتطرفون عما تدعو إليه المؤسسة الدينية الرسمية، أو ما يُعلم للتلاميذ في المدارس وكليات الشريعة في البلاد العربية والإسلامية.

لقد أقحمت المؤسسات السياسية والفقهية منظومة من المبادئ والتطبيقات باعتبارها جزءاً من الدين، وبذلت جهداً سياسياً وعلمياً متراكماً لتحويلها إلى الدين باستخدام الهيمنة السياسية وتأثير الفقهاء، واليوم فإن الجماعات الدينية تستند إلى التراث الفقهي والتطبيقي نفسه، الذي بذلت السلطات السياسية والدينية قروناً طويلة في إقناعنا بالقوة أو الحجة والمنطق، بأنه الدين.

تسوغ الجماعات الدينية أفكارها وأعمالها على أساس مبدأين أساسيين هما الحكم والردّة، وهما مبدآن أضيفا إلى الدين لأغراض سياسية وسلطوية، واكتسبا مع القرون المتطاولة صفة دينية راسخة، وتؤدي السلطات السياسية أدواراً دينية كثيرة لم يطالبها بها الدين، مثل التعليم الديني وإدارة وتنظيم الشأن الديني والعبادة والإفتاء.

وفي ذلك، أنشأت الحكومات بيئة آمنة للجماعات الدينية للعمل والدعوة والتنظيم، وبتمويل حكومي من الموارد العامة وأموال دافعي الضرائب.

وتمثّل الحالة الدينية السائدة وموجات التديّن والإقبال على الدين، والنشاطات والبرامج الدينية في وسائل الإعلام والفضائيات، والمحاضرات والبرامج الدينية الرسمية في التعليم والأوقاف، وعلى رغم أن معظمها إن لم يكن جميعها يبدو متقبلاً أو لا يخدم مباشرة التطرف والجماعات المتطرفة، فإنها تشكّل المساحة المشتركة بين المتطرفين وعموم المتدينين، وتمثل بالنسبة الى الجماعات القاعدة الأساسية للبناء عليها وتطوير نموذج خاص ومختلف في الفهم الديني.

ويمكن أن يجد المتابع مئات الأمثلة والملاحظات في المناهج التعليمية والمؤسسات الدينية والتعليمية الرسمية والتطبيقات الحكومية والتشريعية، مما يمكن اعتباره مورداً دينياً وفكرياً للتطرف، ولا يختلف بحال عما تدعو إليه الجماعات المتطرفة، ويمكن في الوقت نفسه الاستغناء عنه بلا تعارض مع الدين!

ولكنني سأعرض مثالاً واحداً صارخاً واستفزازياً، وهو الرسالة الموجّهة إلى البغدادي، خليفة «داعش»، والتي توزّعها الحكومة الأردنية بلغات عدة وعلى نطاق واسع، ما يؤكد أنها تمثل الرد الديني الرسمي على «داعش»، وقد وقّع على الرسالة عشرات العلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

من يقرأ الرسالة يتأكد له أن مصادر المتطرفين الفكرية والدينية هي نفسها المصادر القائمة والمتقبّلة لدى النخب الدينية على مدار التاريخ العربي والإسلامي، وأن المتطرفين لا يستخدمون في واقع الحال أدلة ونصوصاً مختلفة عن النخب الدينية، وأن الصراع في الحقيقة ليس حول الدين ولكنه صراع على الدين!

لقد عرضت الرسالة أفكاراً وحججاً تجعل المواطنين يخافون من السلطات القائمة في العالم العربي، أكثر مما يخافون من «داعش»... هل كانت مشكلة «داعش» هي الخطأ في تفسير النصوص الدينية؟ وهل تعتقد الحكومات العربية والإسلامية أن بيان حكم الشريعة الإسلامية سيقضي على التطرف؟ وهل ينقص الناس في بلاد العرب والمسلمين كما المؤيدين للجماعات المتطرفة، بيان الحكم الشرعي؟ ومن يملك هذا الحكم الشرعي؟ ولماذا كان الصراع على مدار التاريخ العربي والإسلامي على السلطة، ولم تجر حروب ولا خلافات في يوم من الأيام على أركان الإسلام وأركان الإيمان، وسائر العبادات والأحكام الدينية؟

رسالة العلماء تحمل مضامين مرعبة للمواطنين والعالم أيضاً، ولا تفيد شيئاً في محاربة «داعش» والتطرّف والإرهاب. فالرسالة ترى الخلافة من الدين، وواجباً يجب أن نسعى إلى تحقيقه، وكل ما فعله «داعش» أنه أخطأ الوسيلة. كما أن قطع اليد ورجم الناس وقتلهم، أمور من الدين، وما فعله «داعش» هو عدم التحوّط، وأنه يجب قتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.

ألا يعني ذلك، وفق الرسالة، أننا مأمورون بقتال كل الأمم والدول، من الآسيويين والأفريقيين والمسيحيين أيضاً، وما يمنعنا من ذلك ليس إلا عجزنا، وأن من مصلحة العالم، بل من واجبه، أن نظل فقراء عاجزين، لأننا بغير ذلك سنقاتل العالم كله حتى يقول الناس لا إله إلا الله؟ والواقع أنه وفق رسالة العلماء، فإن اليهود فقط هم الذين لا يشملهم الأمر بالقتال، فكل من عداهم يمكن اعتبار أنهم لا يقولون لا إله إلا الله.

الرسالة تكريس للسلطة الدينية على الناس، على نحو يحرم الحريات والديموقراطية وولاية الأمة، وكونها مصدر السلطات والتشريع. وإن كانت للرسالة حسنة، فهي تأكيدها أن ثمة حاجة الى إعادة صياغة العلاقة بين الدين والدولة على نحو مختلف عما كانت عليه الحال طوال التاريخ، وأن الدولة الحديثة، بما هي حديثة، يجب أن تكون محايدة تجاه الدين. والواقع أنه توجد حسنات أخرى للرسالة، فقد أفتت بجواز حب الأوطان!
 

* كاتب أردني



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
من "ثورة الياسمين" إلى "الخلافة الإسلامية"... محطّات بارزة من الربيع العربي
لودريان: حرب فرنسا ليست مع الإسلام بل ضد الإرهاب والآيديولوجيات المتطرفة
نظرة سوداوية من صندوق النقد لاقتصادات الشرق الأوسط: الخليج الأكثر ضغوطاً... ولبنان ‏الأعلى خطراً
دراسة للإسكوا: 31 مليارديرًا عربيًا يملكون ما يعادل ثروة النصف الأفقر من سكان المنطقة
الوباء يهدد بحرمان 15 مليون طفل شرق أوسطي من الحصول على لقاحات
مقالات ذات صلة
المشرق العربي المتروك من أوباما إلى بايدن - سام منسى
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
إردوغان بوصفه هديّة ثمينة للقضيّة الأرمنيّة
إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها - حازم صاغية
عن تسامح الأوروبيين ودساتيرهم العلمانية الضامنة للحريات - عمرو حمزاوي
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة