|
في مجال الاقتصاد، نظاماً ونشاطاً، يبدو فقدان الاتجاه واضحا في ما يتعلق بتحقيق شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، بعد مرور أكثر من شهرين على قيام ثورة25 يناير. ولعل التفسير يكمن في الطابع الفريد للثورة المصرية التي افتقدت القيادة ولا تزال، رغم احتضان الشعب المصري وحماية القوات المسلحة للثورة وتشكيل حكومة باركتها طلائع شباب الثوار بميدان التحرير. وتحت ضغط الثورة بدأت الملاحقة القانونية والقضائية لرأسمالية الفساد المنظم والجشع المقيت والاحتكار المستغل، ولكن سرعان ما بدأت الثورة المضادة مستغلة المطالب الفئوية في محاصرة رأسمالية الاستثمار المنتج والربح المبرر والمنافسة المشروعة.
ولقد تهاوى نظام حكم مبارك، بعد أن صار عاجزا عن الحكم بالطريقة القديمة، وخاصة جراء خطيئة مشروع التوريث وجريمة تزوير إرادة الناخبين. وصار مستحيلا أن يستمر خضوع المصريين للنظام القديم، في ظل انفلات الفساد المنظم وانتهاك الكرامة الإنسانية وإخفاق التنمية الاقتصادية وإهدار العدالة الاجتماعية. ولا ينكر إلا جاحد أو جاهل الموقف الوطني للقوات المسلحة المصرية وقائدها المشير طنطاوي، بضغطها على قائدها الأعلى حتى تنحى، وانحيازها للشرعية التي يرتضيها الشعب، وإدارتها الحكيمة لتداعيات اسقاط مبارك، الذي يحسب له عدم رضوخه لدعوة ملحة - أتصور أن وراءها الوريث ودائرة منتفعيه - الى فتح تعبوي يجهض الثورة بحمام دماء في ميدان التحرير بواسطة جنود المظلات وطائرات الهليوكوبتر والأسلحة الفتاكة، كما أبلغنا في "الأهرام" أكثر من مرة! فكان الفتح الخائب بموقعة الجمل والمولوتوف والقناصة، التي انتصر فيها ثوار التحرير ببسالتهم المنقطعة النظير.
وقد يجدر أن أشير الى أنني بعد تردد طال قلت لا في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، مدفوعا بالانزعاج من الزج بالدين حيث لا ينبغي أن يزج به في أمر من أمور الدنيا إلا باعلاء قيمه ومقاصده، ومتضامنا مع إتاحة الفرصة لتكوين أحزاب تضم شباب الثورة، الذين أراهم نواة قوة وطنية ديموقراطية توازن قوة المصالح الفاسدة التي يجسدها أنصار النظام القديم، وقوة الاتجار بالدين التي يجسدها دعاة الدولة الدينية. لكن غلبة "لا" في الاستفتاء لم تكن لتحل معضلة الثورة متمثلة في فقدان الاتجاه نتيجة غياب القيادة والبرنامج، بما في ذلك غياب المنطق في إطالة فترة الانتقال وعدم الاستقرار التي توفر زخما لا يخفى لقوى الثورة المضادة! والتناقض الظاهر في الخوف من نتائج انتخابات برلمانية متعجلة مع الدعوة الى انتخاب فوري لجمعية تأسيسية تضع دستورا جديدا!
وعود على بدء الى موضوع المقال أقول أن مجال الاقتصاد يجسد أهم مجالات فقدان الاتجاه في ما يتعلق بأخطر مهام الثورة، وهو بناء نظام اقتصادي جديد. ومن المذهل حقا أن تتحدث الحكومة الجديدة عن نظام الاقتصاد الحر، الذي روجت له أمانة سياسات الحزب الوطني، والذي جسد الإطار النظري لإنفلات الفساد المنظم والجشع للتربح وفوضى السوق، والذي سقط بسقوط الأصولية الرأسمالية في الأزمة العالمية. وربما يكون الأمر وليد اختلاط المفاهيم بافتراض حسن النية وهو الأرجح في حالة حكومة الثورة، لكن هذا لا يعفي المجموعة الاقتصادية في الحكومة من مسؤولية عدم كشف التناقض في خطابها بين من يدعو الى الاقتصاد الحر، من جانب، ومن يدعو الى العدالة الاجتماعية وتصنيع مصر والأمن الاقتصادي القومي والإنساني، من جانب آخر.
بيد أن الأهم هو حالة فقدان الاتجاه في الحركة الجماهيرية وفي الخطاب السياسي في ما يتعلق بالرؤية المستقبلية للنظام الاقتصادي، وفي قلبه الدور المنشود للرأسمالية المصرية. وقد كتبت من قبل عن النظام الاقتصادي بعد الثورة المصرية. وحتى لا تستمر حالة فقدان الاتجاه نحو بناء نظام اقتصادي جديد، يرتكز الى تشجيع الرأسمالية المصرية وتفعيل دور الدولة في الاقتصاد، أكتفي بالإشارة الى الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى، أن السعي لتعظيم الربح قانون موضوعي لاقتصاد السوق، لا تستطيع الرأسمالية، نظاما وطبقة، أن تعيش بغيره. فلا جدال أن الربح الرأسمالي كان قاطرة التقدم، التي نقلت المجتمعات من بؤس نظم ما قبل الرأسمالية الى عصر الثورة الصناعية، ثم الى زمن الثورة المعرفية. وكان تجاهل الربحية سبب سقوط الاقتصاد الاشتراكي الماركسي، لأنه عجز عن تعظيم عائد تخصيص الموارد، فتمخض عن عدالة توزيع الفقر، وعجز عن رفع الانتاجية وحفز الابتكار، وهزم في المباراة العالمية للتنافسية والتقدم!
والحقيقة الثانية، أن سقوط اقتصاد الأوامر - بما في ذلك التطبيق المصري للاشتراكية - لا ينبغي أن ينسي الرأسمالية المصرية أن أهم نواقص السوق الحرة، التي سقطت بمعياري كفاءة تخصيص الموارد وعدالة توزيع الدخل، هو تجاهل الربحية المجتمعية والمصلحة العامة من قبل رجال الأعمال، وتغييب التدخل الواجب للدولة في الاقتصاد بتنظيم السوق، وتوزيع الدخل، والملكية العامة. والأمر بإيجاز أن الربح المبرر والتراكم الرأسمالي الانتاجي والتقدم الاقتصادي الاجتماعي مشروطة بمواصلة دور الدولة في كبح الجشع الفردي والسعي للربح وتركز الثروة.
والحقيقة الثالثة، أن الصورة الذهنية السلبية للرأسمالية المصرية في الإعلام والمجتمع قد وجدت لها سندا في واقع ما قبل ثورة25 يناير. وأتصور أن تغيير هذه الصورة بعد الثورة يتطلب من كبار رجال الأعمال في مصر، القبول بخفض أسعار منتجاتهم لمجابهة الركود الزاحف، وعدم الإقدام على طرد العمالة حفاظا على مستويات أرباحهم، حتى لا يدفعوا نحو خفض الطلب الفعال للمستهلكين والعاملين، ومن ثم يعمقون الركود ويهددون الربح! ولنتذكر جميعا أن شعار الجشع عظيم، الذي رفعه شارع المال الأميركي، قد سقط مدويا مع الزلزال المدمر للأزمة الاقتصادية التي قاد اليها! وبداهة فإن على الرأسمالية المصرية إدراك أن مصر ما بعد الثورة لن تقبل بالتعايش مع الفساد المنظم والجشع المقيت والإحتكار المنبوذ، وهو ما ترفض التعايش معه جميع المجتمعات المتقدمة.
والحقيقة الرابعة، أن الحاضر صورة المستقبل. وبعبارة أخرى، أن فلسفة مواجهة فترة الانتقال ستحدد صورة مستقبل الاقتصاد المصري. وإذا أردنا مجابهة تحديات الانتقال في سياق رؤية استراتيجية لصناعة مستقبل الاقتصاد المصري، سواء قصدنا التنمية أو النظام، فان نقطة البداية هي إدراك أن ضعف مناعة الاقتصاد المصري يرجع بالأساس الى ضعف الاقتصاد الحقيقي نتيجة التخلي عن مشروع التصنيع وتراجع الزراعة وتفضيل الاستثمار العقاري على حساب الصناعي والزراعي. ولنتذكر أن قوة الاقتصاد الحقيقي في الصين جعلت أثر الأزمة العالمية محدودا في تراجع معدل النمو الى8 % سنويا! وهو ما يزيد على أحلامنا، وأن حفز الاقتصاد الحقيقي يمثل الرافعة الأساسية التي تراهن عليها إدارة أوباما لإنقاذ أميركا من الكساد! وهو ما يغيب عن بالنا!
وأخيرا، أستعير من مقال الرأسمالية المصرية في مواجهة الأزمة العالمية، المنشور بجريدة "الأهرام" في22 شباط 2009، صيحة الحكيم توما الأكويني "اللهم الهمني الفضيلة... ولكن ليس الآن"! وبكلمات أخرى فإن فضيلة تعظيم الربح صار مرجوا تأجيلها، لأن خطيئة خفض القدرة الشرائية للمستهلكين لن تدفع إلا نحو تعميق الركود. وحين ترفض الرأسمالية المصرية هامش ربح أقل في ظروف أزمة الانتقال الراهنة، وتواصل الحكومة دعم الطاقة للمصانع رغم تحرير أسعار المنتجات! لن يعدو الأمر خصخصة الأرباح وتعميم الخسائر! وهو ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي ويجعل من المستحيل كبح حركة المطالب العمالية والفئوية المعطلة للإنتاج والمضادة للثورة! "الأهرام"
(كاتب مصري)
|