الخميس ٢٦ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آذار ٣٠, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
فقدان الاتجاه الاقتصادي بعد الثورة المصرية - طه عبد العليم

في مجال الاقتصاد‏، نظاماً ونشاطاً‏، يبدو فقدان الاتجاه واضحا في ما يتعلق بتحقيق شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"‏،‏ بعد مرور أكثر من شهرين على قيام ثورة‏25‏ يناير‏.‏ ولعل التفسير يكمن في الطابع الفريد للثورة المصرية‏ التي افتقدت القيادة ولا تزال‏، رغم احتضان الشعب المصري وحماية القوات المسلحة للثورة وتشكيل حكومة باركتها طلائع شباب الثوار بميدان التحرير‏.‏ وتحت ضغط الثورة بدأت الملاحقة القانونية والقضائية لرأسمالية الفساد المنظم والجشع المقيت والاحتكار المستغل‏، ولكن سرعان ما بدأت الثورة المضادة مستغلة المطالب الفئوية في محاصرة رأسمالية الاستثمار المنتج والربح المبرر والمنافسة المشروعة‏.‏


ولقد تهاوى نظام حكم مبارك‏، بعد أن صار عاجزا عن الحكم بالطريقة القديمة‏،‏ وخاصة جراء خطيئة مشروع التوريث وجريمة تزوير إرادة الناخبين‏.‏ وصار مستحيلا أن يستمر خضوع المصريين للنظام القديم، في ظل انفلات الفساد المنظم وانتهاك الكرامة الإنسانية وإخفاق التنمية الاقتصادية وإهدار العدالة الاجتماعية‏.‏ ولا ينكر إلا جاحد أو جاهل الموقف الوطني للقوات المسلحة المصرية وقائدها المشير طنطاوي‏،‏ بضغطها على قائدها الأعلى حتى تنحى، وانحيازها للشرعية التي يرتضيها الشعب‏،‏ وإدارتها الحكيمة لتداعيات اسقاط مبارك‏،‏ الذي يحسب له عدم رضوخه لدعوة ملحة - أتصور أن وراءها الوريث ودائرة منتفعيه - الى فتح تعبوي يجهض الثورة بحمام دماء في ميدان التحرير بواسطة جنود المظلات وطائرات الهليوكوبتر والأسلحة الفتاكة‏، كما أبلغنا في "الأهرام" أكثر من مرة‏!‏ فكان الفتح الخائب بموقعة الجمل والمولوتوف والقناصة‏، التي انتصر فيها ثوار التحرير ببسالتهم المنقطعة النظير‏.‏


وقد يجدر أن أشير الى أنني بعد تردد طال قلت لا في الاستفتاء على التعديلات الدستورية‏، مدفوعا بالانزعاج من الزج بالدين حيث لا ينبغي أن يزج به في أمر من أمور الدنيا إلا باعلاء قيمه ومقاصده‏،‏ ومتضامنا مع إتاحة الفرصة لتكوين أحزاب تضم شباب الثورة‏،‏ الذين أراهم نواة قوة وطنية ديموقراطية توازن قوة المصالح الفاسدة التي يجسدها أنصار النظام القديم‏،‏ وقوة الاتجار بالدين التي يجسدها دعاة الدولة الدينية‏.‏ لكن غلبة "لا" في الاستفتاء لم تكن لتحل معضلة الثورة متمثلة في فقدان الاتجاه نتيجة غياب القيادة والبرنامج‏،‏ بما في ذلك غياب المنطق في إطالة فترة الانتقال وعدم الاستقرار التي توفر زخما لا يخفى لقوى الثورة المضادة‏!‏ والتناقض الظاهر في الخوف من نتائج انتخابات برلمانية متعجلة مع الدعوة الى انتخاب فوري لجمعية تأسيسية تضع دستورا جديدا‏!‏


وعود على بدء الى موضوع المقال أقول أن مجال الاقتصاد يجسد أهم مجالات فقدان الاتجاه في ما يتعلق بأخطر مهام الثورة‏،‏ وهو بناء نظام اقتصادي جديد‏.‏ ومن المذهل حقا أن تتحدث الحكومة الجديدة عن نظام الاقتصاد الحر‏،‏ الذي روجت له أمانة سياسات الحزب الوطني‏،‏ والذي جسد الإطار النظري لإنفلات الفساد المنظم والجشع للتربح وفوضى السوق‏،‏ والذي سقط بسقوط الأصولية الرأسمالية في الأزمة العالمية‏.‏ وربما يكون الأمر وليد اختلاط المفاهيم بافتراض حسن النية وهو الأرجح في حالة حكومة الثورة‏،‏ لكن هذا لا يعفي المجموعة الاقتصادية في الحكومة من مسؤولية عدم كشف التناقض في خطابها بين من يدعو الى الاقتصاد الحر‏،‏ من جانب‏،‏ ومن يدعو الى العدالة الاجتماعية وتصنيع مصر والأمن الاقتصادي القومي والإنساني‏،‏ من جانب آخر‏.‏


بيد أن الأهم هو حالة فقدان الاتجاه في الحركة الجماهيرية وفي الخطاب السياسي في ما يتعلق بالرؤية المستقبلية للنظام الاقتصادي‏،‏ وفي قلبه الدور المنشود للرأسمالية المصرية‏.‏ وقد كتبت من قبل عن النظام الاقتصادي بعد الثورة المصرية‏.‏ وحتى لا تستمر حالة فقدان الاتجاه نحو بناء نظام اقتصادي جديد‏،‏ يرتكز الى تشجيع الرأسمالية المصرية وتفعيل دور الدولة في الاقتصاد‏،‏ أكتفي بالإشارة الى الحقائق التالية‏:‏


الحقيقة الأولى‏،‏ أن السعي لتعظيم الربح قانون موضوعي لاقتصاد السوق‏،‏ لا تستطيع الرأسمالية‏،‏ نظاما وطبقة‏،‏ أن تعيش بغيره‏.‏ فلا جدال أن الربح الرأسمالي كان قاطرة التقدم‏،‏ التي نقلت المجتمعات من بؤس نظم ما قبل الرأسمالية الى عصر الثورة الصناعية‏،‏ ثم الى زمن الثورة المعرفية‏.‏ وكان تجاهل الربحية سبب سقوط الاقتصاد الاشتراكي الماركسي‏،‏ لأنه عجز عن تعظيم عائد تخصيص الموارد‏،‏ فتمخض عن عدالة توزيع الفقر‏،‏ وعجز عن رفع الانتاجية وحفز الابتكار‏،‏ وهزم في المباراة العالمية للتنافسية والتقدم‏!‏


والحقيقة الثانية‏،‏ أن سقوط اقتصاد الأوامر - بما في ذلك التطبيق المصري للاشتراكية - لا ينبغي أن ينسي الرأسمالية المصرية أن أهم نواقص السوق الحرة‏،‏ التي سقطت بمعياري كفاءة تخصيص الموارد وعدالة توزيع الدخل‏،‏ هو تجاهل الربحية المجتمعية والمصلحة العامة من قبل رجال الأعمال‏،‏ وتغييب التدخل الواجب للدولة في الاقتصاد بتنظيم السوق‏،‏ وتوزيع الدخل‏،‏ والملكية العامة‏.‏ والأمر بإيجاز أن الربح المبرر والتراكم الرأسمالي الانتاجي والتقدم الاقتصادي الاجتماعي مشروطة بمواصلة دور الدولة في كبح الجشع الفردي والسعي للربح وتركز الثروة‏.‏


والحقيقة الثالثة‏،‏ أن الصورة الذهنية السلبية للرأسمالية المصرية في الإعلام والمجتمع قد وجدت لها سندا في واقع ما قبل ثورة‏25‏ يناير‏.‏ وأتصور أن تغيير هذه الصورة بعد الثورة يتطلب من كبار رجال الأعمال في مصر‏،‏ القبول بخفض أسعار منتجاتهم لمجابهة الركود الزاحف‏،‏ وعدم الإقدام على طرد العمالة حفاظا على مستويات أرباحهم‏،‏ حتى لا يدفعوا نحو خفض الطلب الفعال للمستهلكين والعاملين‏،‏ ومن ثم يعمقون الركود ويهددون الربح‏!‏ ولنتذكر جميعا أن شعار الجشع عظيم‏،‏ الذي رفعه شارع المال الأميركي‏،‏ قد سقط مدويا مع الزلزال المدمر للأزمة الاقتصادية التي قاد اليها‏!‏ وبداهة فإن على الرأسمالية المصرية إدراك أن مصر ما بعد الثورة لن تقبل بالتعايش مع الفساد المنظم والجشع المقيت والإحتكار المنبوذ‏،‏ وهو ما ترفض التعايش معه جميع المجتمعات المتقدمة‏.‏


والحقيقة الرابعة‏،‏ أن الحاضر صورة المستقبل‏.‏ وبعبارة أخرى‏،‏ أن فلسفة مواجهة فترة الانتقال ستحدد صورة مستقبل الاقتصاد المصري‏.‏ وإذا أردنا مجابهة تحديات الانتقال في سياق رؤية استراتيجية لصناعة مستقبل الاقتصاد المصري‏،‏ سواء قصدنا التنمية أو النظام‏،‏ فان نقطة البداية هي إدراك أن ضعف مناعة الاقتصاد المصري يرجع بالأساس الى ضعف الاقتصاد الحقيقي نتيجة التخلي عن مشروع التصنيع وتراجع الزراعة وتفضيل الاستثمار العقاري على حساب الصناعي والزراعي‏.‏ ولنتذكر أن قوة الاقتصاد الحقيقي في الصين جعلت أثر الأزمة العالمية محدودا في تراجع معدل النمو الى‏8 %‏ سنويا‏!‏ وهو ما يزيد على أحلامنا‏،‏ وأن حفز الاقتصاد الحقيقي يمثل الرافعة الأساسية التي تراهن عليها إدارة أوباما لإنقاذ أميركا من الكساد‏!‏ وهو ما يغيب عن بالنا‏!‏


وأخيرا‏،‏ أستعير من مقال الرأسمالية المصرية في مواجهة الأزمة العالمية‏،‏ المنشور بجريدة "الأهرام" في‏22‏ شباط ‏2009،‏ صيحة الحكيم توما الأكويني "اللهم الهمني الفضيلة‏...‏ ولكن ليس الآن"‏!‏ وبكلمات أخرى فإن فضيلة تعظيم الربح صار مرجوا تأجيلها‏،‏ لأن خطيئة خفض القدرة الشرائية للمستهلكين لن تدفع إلا نحو تعميق الركود‏.‏ وحين ترفض الرأسمالية المصرية هامش ربح أقل في ظروف أزمة الانتقال الراهنة‏،‏ وتواصل الحكومة دعم الطاقة للمصانع رغم تحرير أسعار المنتجات‏!‏ لن يعدو الأمر خصخصة الأرباح وتعميم الخسائر‏!‏ وهو ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي ويجعل من المستحيل كبح حركة المطالب العمالية والفئوية المعطلة للإنتاج والمضادة للثورة‏!‏
 "الأهرام"

(كاتب مصري) 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة