ليس غريباً أن يستعين «آيات الله» بمن كانوا يرونهم رجال «الشيطان الأصغر»، لمساعدتهم في محاولة إنقاذ نظام يشبه هؤلاء وأولئك في طغيانهم وقسوتهم، لكنه يفوقهم في دمويته. فنوع الجرائم التي ارتُكبت ولا تزال في سورية، فضلاً عن كمّها المهول، لا يمكن أن يلقى دعماً إلا من الطغاة الأشرس في العالم.
ليست الديكتاتوريات صنفاً واحداً، بل تتباين في مستوى قسوتها وعنفها ضد الشعب، كما في هياكلها وطرق تنظيم السلطة في كل منها. ونظراً الى التحولات الديموقراطية في معظم مناطق العالم منذ السبعينات، والتقدم النسبي الذي حققه النضال العالمي من أجل حقوق الإنسان، انخفض إلى النصف عدد الديكتاتوريات في العقود الأربعة الأخيرة. كما قلّ عدد الديكتاتوريات التي ترتكب الجرائم الأكثر فتكاً وبشاعة، وتمارس سلطاتها إرهاباً لا يقل ضراوة عن ذلك الذي يزعم بعضها أنه يحاربه.
وهي تستغل انحسار الاهتمام بإرهاب الدولة، الذي كان لقي عناية متزايدة في أدبيات القانون الدولي والمنظمات الأممية حتى الربع الأخير من القرن الماضي، قبل أن يتنامى الإرهاب الذي يهدّد الدولة منذ 2001.
لذلك، يبدو المجتمع الدولي الآن غير مبال بتحالف أشد الديكتاتوريات طغياناً وقسوة، سعياً الى إنقاذ ما بقي من إحداها في سورية. وقد صار هذا التحالف سافراً منذ أرسلت روسيا طائراتها وصواريخها وقنابلها المحظورة دولياً، لكي ترسل مزيداً من السوريين الأبرياء إلى العالم الآخر، أو إلى بلاد أخرى إذا وجدوا متسعاً لهم فيها.
كانت روسيا قد اكتفت بإرسال أسلحة أقل فتكاً إلى نظام الأسد، اعتقاداً بأن الإيرانيين وحلفاءهم المذهبيين في الشرق الأوسط وعلى تخومه قادرون على «إنجاز المهمة» التي تُعد الحلقة الرئيسة في استراتيجية طهران الإقليمية.
غير أن انغماس إيران في حربين داخليتين في العراق وسورية في آن معاً، أضعف قدرتها على إنقاذ الديكتاتورية الأكثر دموية في عالم اليوم. لذلك، ولعوامل أخرى تتعلق بطموحات عالمية تتجاوز القدرات الفعلية، قررت روسيا التدخل مباشرة وشنّ هجمات في مناطق لا يسيطر تنظيم «داعش» على معظمها.
وأظهرت هذه الهجمات أن وحشية القائمين بها لا تقل كثيراً عن وحشية حلفائهم الذين ذهبوا لإنقاذهم. فلا تمييز هنالك بين مقاتلين ومدنيين، ولا مانع من ارتكاب أية جريمة ضد الإنسانية. كما كشف إعلان الحرب في سورية أن النظام الروسي لا يشبه حليفه الإيراني في العصف بمختلف القواعد والمعايير الدولية والإنسانية فقط، بل أيضاً في توظيفه الدين في حرب يزعم كلاهما أنها ضد إرهاب يستدعي مرجعية دينية. فقد دعمت الكنيسة الروسية قرار الحرب في سورية، بل وصفت هذه الحرب بأنها «مقدسة»، قبل أن تحاول احتواء الآثار الكارثية لهذا الموقف.
ولا شيء غريباً في ذلك، فالديكتاتوريات الأشرس تقوم عادةً على ركيزتين، إحداهما قومية متعصبة وصلت في روسيا بصفة خاصة إلى مستوى يمثل خطراً على العالم، وصارت مفتوحة على فاشية بالمعنى العلمي وليس المجازي الذي يُستخدم من دون ضوابط في هجاء بعض الأنظمة الديكتاتورية الشرسة. أما الركيزة الثانية، فدينية تتفاوت في مستوى التطرّف والانغلاق بين ديكتاتورية وأخرى، لكنها تُوظف فيها كلها لتحقيق أهداف سياسية.
ويختلف مزيج القومية والدينية في الديكتاتوريات الأشرس التي تتحالف الآن، لكن من دون أن يقترن ذلك باختلاف في سياساتها وممارساتها. ويتجلى أكثر صور هذا التحالف في تزامن الضربات الجوية الروسية مع تعزيز القوات الإيرانية في سورية للمشاركة في الهجمات البرية التي تشنّها قوات النظام والميليشيات التابعة لطهران.
ولما كان جزء أساسي في هذه الميليشيات عراقياً، وفي ظل سيطرة طهران عبرها على الجيش العراقي، صارت الديكتاتورية العراقية الجديدة التي أعادت إنتاج سابقتها في شكل يبدو أقل خشونة، طرفاً أساسياً في هذا التحالف. كما أصبحت بغداد مركزه الرسمي حيث يوجد مركز المعلومات الرباعي المشترك.
غير أن تحالف الديكتاتوريات الأشرس في العالم لا يقتصر على هذا الرباعي. فهو يشمل بعض الدول الحليفة لروسيا في محيطها الإقليمي الضيق، والتي تشبهها من حيث طبيعة السلطة فيها.
وليست الصين، التي لا يزال الحزب الشيوعي يحكمها بقبضة من حديد مغطاة بقفاز ناعم، بعيدة من هذا التحالف، وإن لم تشارك في عملياته العسكرية. وثمة توقعات إيرانية بأن تنضم بكين إلى مركز معلومات هذه الديكتاتوريات الجاري تحويله الآن إلى غرفة عمليات.
وفي هذا الموقف نزوع صيني إلى الأصل الذي لم يلحق به تغير جوهري، على رغم النمو الاقتصادي والحراك الاجتماعي الواسع في العقود الثلاثة الأخيرة. وهكذا يمكن فهم استمرار الانحياز الصيني بدرجة أو بأخرى إلى الديكتاتوريات الأشرس في العالم.
ولما كانت كوريا الشمالية إحدى أبرز هذه الديكتاتوريات، فضلاً عن أن كيم الثالث هو الوجه الآخر للأسد الثاني في وراثة السلطة وقتل كل من ينافسهما عليها من داخل نظامهما وليس من معارضيه فقط، فهي تقف مع التحالف الجديد بالضرورة، ومن دون حاجة إلى إعلان رسمي قد يصبح عبئاً على حلفائها.
وربما يستطيع هذا التحالف تعويم عائلة الأسد لبعض الوقت، واستعادة بعض المناطق التي فقدتها. لكن روسيا وإيران ستكتشفان بعد فترة لن تطول، أنهما تنغمسان في حرب مكلفة، ولا نتيجة لها إلا صبّ مزيد من الزيت على نار الصراعات الطائفية في المنطقة، وزيادة قدرة «داعش» على تجنيد مزيد من المقاتلين والأنصار.
والحال أن ديكتاتوريات التحالف الجديد لا تستوعب بحكم تكوينها، أن دموية شبيهتها في دمشق هي التي أنتجت الإرهاب الذي تزعم محاربته. فلم تظهر «القاعدة» عبر «جبهة النصرة» إلا بعد عام تقريباً على نشوب الانتفاضة ضد عائلة الأسد، ولم يحضر «داعش» إلا بعد عام آخر. كما لا تستوعب هذه الديكتاتوريات درس تاريخ الصراعات الداخلية، وهو أنه كلما ازدادت وحشية السلطة تصدرت القوى الأكثر عنفاً وتسليحاً وتمويلاً المشهد في مواجهتها، وأن التدخل الأجنبي في هذه الحال لا يؤدي إلا إلى دعم مركز هذه القوى وانضمام أخرى معتدلة إليها وحصولها على حواضن مجتمعية أوسع نطاقاً. |