السبت ٢١ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تشرين الأول ٢٩, ٢٠١٥
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
العراق و شعار الدولة المدنية - عبد الحسين شعبان
إذا كانت حركة الاحتجاج مدعاة لتفاؤل الإرادة حسب المفكر غرامشي، خصوصاً انها تضم كتلاً بشرية ضخمة من المتظاهرين من شتى الفئات والتوجّهات، إلاّ أن الواقع ما زال يشي بالتشاؤم بفعل عقبات كبرى قد تؤدي إلى احتواء حركة الاحتجاج وبالتالي تشتتها.

حصل في مرّات سابقة أن جرى امتصاص الهبّات الشعبية. وبغضّ النظر عن استجابة رئيس الوزراء الحالي هذه المرّة لمطالب الإصلاح، لكنها ظلّت حتى الآن فوقية ولم تمسّ جوهر المشكلة، لاسيّما إعادة الخدمات على جناح السرعة ومحاسبة الفاسدين والمفسدين وردّ الاعتبار للدولة ومؤسساتها ووضع حدّ للطائفية والتقاسم الوظيفي، وإذا كان هناك جمهور واسع يؤيد عملية الإصلاح التي تبنّاها رئيس الوزراء، إلاّ إن أدواته وفرصه محدودة، فهو لا يمتلك قوة حزبية أو سياسية، وهو بلا أصدقاء أو حلفاء، في حين أن أعداء الإصلاح والفاسدين يشكّلون جبهة قوية ومتشعبة، وإنْ اختلفت مصالحهم.

وإذا راجعنا شعارات التظاهرات العارمة والمندلعة في مختلف أنحاء العراق، نلاحظ أنها تلتقي حول أهداف ومطالب مشتركة، تمسّ حياة الناس وحاجاتهم الملحّة والضرورية، إلى الخدمات وخصوصاً الكهرباء والماء والتعليم والصحة وإيجاد فرص عمل متكافئة، وتلك أمور آنية ومستعجلة، حيث لم يعد السكوت عنها ممكناً أو تأجيلها مسموحاً به.

الوجه الآخر لحركة الاحتجاج الواسعة هو المطالبة بتقديم الفاسدين والمفسدين إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل، بمن فيهم المقصّرون وعديمو الشعور بالمسؤولية والمستهترون بالمال العام، وقد تفشّت ظاهرة الفساد ما بعد الاحتلال، بشكل خاص بعدما أصبح الولاء والمصالح الحزبية والانتماء الطائفي، الأساس في الحصول على المناصب العليا.

وكان أحد مظاهر الأزمة تفكّك الدولة، خصوصاً بعد سقوط الموصل بيد "داعش" في 10 حزيران 2014، واستمرار الأمر حتى الوقت الحاضر، بل تمدّده إلى مناطق أخرى من العراق بلغت نحو ثلث الأراضي العراقية وتهديده العاصمة بغداد.

صحيح أن نفوذ "داعش" تقلّص إلى حدود معيّنة ونسبياً، لكن استمراره يمثل فضيحة للدولة العراقية أو لما تبقّى منها، وهي مهدّدة بالتقسيم الفعلي بفعل غياب إرادة سياسية للوحدة الوطنية وانعدام الثقة بين القوى والجماعات السياسية المختلفة - المؤتلفة، الأعداء - الأصدقاء (الأعدقاء)، إضافة إلى فهم مغلوط وناقص لفكرة الفيديرالية (الأقاليم) التي يتم الترويج لها مجدداً تحت عناوين مختلفة وبتشجيع خارجي، علماً بأن الدستور كان أخذ بها، لكن هناك محاولات مغرضة لتفسيره وتأويله تبعا للمصالح والهوى، فضلاً عن الألغام التي احتواها والتي يمكن أن تنفجر عند كل منعطف، حيث يتربص الجميع بالجميع بمن فيهم الكتل المؤتلفة، بل داخل الفريق الواحد، الأمر الذي يهدّد مستقبل الدولة العراقية.

من جهة أخرى كان المظهر الأبرز لأزمة الدولة العراقية ما بعد الاحتلال في العام 2003 الطائفية السياسية التي عوّمت الدولة ومرجعيتها وأضعفت هيبتها ومكانتها، وحوّلتها كيانات بدلاً من اعتماد مبادئ المواطنة التامة والمساواة الكاملة أساساً للحصول على الوظائف العليا، وإلغاء التمييز الطائفي والإتني والديني والعشائري والمناطقي وغير ذلك. وعلى الرغم من كل المحاولات لتديين الدولة أو تطييفها أو مذهبتها، انطلقت بعض الدعوات لقيام الدولة المدنية، خصوصاً وقد أنزلها نظام المحاصصة الإتنية والطائفية إلى الحضيض.

قد تكون هناك مبررات مقبولة في الدعوة إلى قيام دولة مدنية (الآن)، سواء من من باب التعبئة السياسية، أو لإحراج الجماعات الدينية والطائفية، ولكن لماذا يُقحم اسم "المرجعية" في هذا الشأن؟ أحقاً إن المجموعة المتنفذة من رجال الدين في النجف تريد الدولة المدنية؟ أم إن البعض يحاول الاحتماء بها، لكي لا يقال إن فكرة الدولة المدنية، ضد الدين؟

من موقعي كمراقب ومحلّل للأحداث لا أعتقد أن مثل هذه الازدواجية تخدم الفكرة، والذين يحاولون ترويجها يرتكبون خطأين: الأول لأنهم يجيّرون شعار الدولة المدنية، لمصلحة رجال الدين، وهو غير صحيح إطلاقاً، فرجال الدين لهم مكانتهم ولا ينبغي زجّهم في الصراع السياسي، لا من جانب السلطة ولا من جانب القوى المحتجّة وكلا الطرفين يحاولان منح رجال الدين سلطة إضافية واعتبارية، بحيث يُنسب كل أمر إيجابي إليهم، والثاني، إن مثل هذه المواقف تخدّر جماهير واسعة تؤمن بالفكرة وتبحث عن خلاص وإذا بها تصاب بالخيبة والخذلان، عندما تكتشف مدى الافتئات على الحقيقة، حتى وإنْ كانت النيات حسنة.

أعتقد أن فكرة الدولة المدنية غير ممكنة التحقيق في الوقت الحاضر حتى وإنْ كانت أمنية عزيزة وطموحاً بعيد المنال، وهدفاً منشوداً وذلك بسبب اختلال موازين القوى، أي أنها ليست مطلباً راهناً، أي قابلاً للتطبيق، لكن مفرداتها تبقى مهمة، لا سيّما بفكّ الارتباط بين الدين والدولة وبين السياسة والدين، وعدم إخضاع الأخيرة لرجال الدين وتفسيراتهم وتأويلاتهم، ولا سيّما الطائفية والمذهبية التي هي عامل تفريق وتنافر وحساسية.

وقد ألقى مثل هذا الاشتباك والاندغام بين الدين والسياسة بثقله على المجتمع الى درجة أصبحت الحياة الشخصية مهدّدة ويتم انتهاكها كل يوم تحت حجج ومزاعم شتى، فضلاً عن تجييش الكثير من أبناء الطوائف وشحنهم بالكراهية والانتقام من الآخر. ولذلك ارتفعت بعض الشعارات التي تعبّر عن أمنيتها بقيام دولة مدنية، ولا سيّما الشعار الذي ظلّ الصوت فيه مرفوعاً وعالياً "سلمية... سلمية... دولة دولة مدنية". فما شأن رجال الدين بذلك؟

إن أهمية حركة الاحتجاج تكمن في نزع القدسية عن رجال الدين، والتعامل معهم كبشر يخطئون ويصيبون، وإذا ما أرادوا تقديم أنفسهم "كمرجعية" لطائفة أو مجموعة منها، فعليهم أن يكفّوا عن التعاطي بالسياسة ويتصرّفوا خارج نطاق اللعبة السياسية، باعتبارهم مرشدين وروحانيين، جامعين وغير مفرّقين، لا سيّما بعدم الانحياز لهذا الفريق أو ذاك وتحت عناوين مصلحة المذهب أو الطائفة.

المهم أيضاً التقدّم بخطوات على طريق بناء الدولة العصرية الدستورية، بغضّ النظر عن تسميتها، وهذه الخطوات مهما كانت بسيطة إلا أنها تراكمية وتدرّجية وطويلة الأمد، خصوصاً بإعلاء شأن المواطنة والمساواة وحكم القانون واستقلال القضاء وعدم التمييز وتحريم الطائفية وتأكيد حق المشاركة والتداول والانتخابات الدورية وحرّية التعبير وحق الاعتقاد وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني.

إن دولة الحماية التي نفتقر إليها لم تعد كافية على النطاق العالمي، خصوصاً إن دولة الرعاية بل الرفاهية، أخذت تشمل الميادين المختلفة: الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والصحية وكل ما يتعلق بالقضايا التنموية، فما بالك حين نعجز عن الوصول إلى دولة الحماية، لتأمين الحد الأدنى للمواطن في أمنه وحياته وممتلكاته، فضلاً عن ضبط النظام والأمن العام، فعن أي دولة نتحدث؟

كاتب عراقي


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
الرئيس العراقي: الانتخابات النزيهة كفيلة بإنهاء النزيف
الرئيس العراقي: الانتخابات المقبلة مفصلية
«اجتثاث البعث» يطل برأسه قبل الانتخابات العراقية
الكاظمي يحذّر وزراءه من استغلال مناصبهم لأغراض انتخابية
الموازنة العراقية تدخل دائرة الجدل بعد شهر من إقرارها
مقالات ذات صلة
عن العراق المعذّب الذي زاره البابا - حازم صاغية
قادة العراق يتطلّعون إلى {عقد سياسي جديد}
المغامرة الشجاعة لمصطفى الكاظمي - حازم صاغية
هل أميركا صديقة الكاظمي؟ - روبرت فورد
العراق: تسوية على نار الوباء - سام منسى
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة