الأحد ٢٢ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تشرين الثاني ٩, ٢٠١٥
المصدر: جريدة الحياة
الخيبة الانتخابية الثانية للتونسيين - محمد الحدّاد
يكاد يتفق الجميع على أنّ التجربة السياسية في تونس أبدعت مرتين: الأولى عندما حقّقت انتقالاً سلمياً للسلطة في انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) 2011، إذ سلمت الحكومة الموقتة مقاليد السلطة لحزب «النهضة» الفائز بالغالبية، والثانية عندما حقّقت انتقالاً سلمياً من الصنف نفسه وفي اتجاه عكسي، إذ قبلت «النهضة» بإشراف حكومة تكنوقراط على البلاد إلى حين تنظيم الانتخابات، ثم تقبلت نتائجها واعترفت بانتقال السلطة إلى خصمها نتيجة انتخابات 2014.

بيد أنّ النجاح في عمليتي الانتقال السلس ينبغــــي أن لا يحجب المصاعب في عملية التسيير السياسي ذاته، لأن الانتخابات ليست غاية في ذاتها وإنما وسيلة لتحقيق الحكم الرشيد.

ومن المفارقات أنّ كل حزب سياسي يصل إلى السلطة في تونس ينفجر من الداخل. فحزب «التجمع الاشتراكي التقدمي» للمحامي نجيب الشابي لم تقم له قائمة منذ مشاركته في الحكومة الانتقالية سنة 2011، وحزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» الذي يقوده الدكتور منصف المرزوقي تشظّى إلى أربعة أو خمسة أحزاب وانسحبت منه وجوهه البارزة بعد انتخابات 2011، وحزب «التكتل من أجل العمل والحريات» الذي يتزعمه الدكتور مصطفى بن جعفر، رئيس المجلس الوطني التأسيسي الذي وضع الدستور الجديد، أصبح اسماً بلا مسمّى ولم ينجح في الحصول على مقعد واحد في انتخابات 2014. وها إن حزب «نداء تونس» يصاب اليوم بالعرض نفسه وينفجر من الداخل، وثمة إمكانية قوية بأن تنقسم كتلته النيابية قسمين فيفقد وضع الغالبية الذي سيؤول حينئذ إلى حزب «النهضة». وحتى لو تفادى هذا السيناريو فإنّه قد تصدّع بحيث لم يعد من مجال لرأبه، وسيمثل عبئاً ثقيلاً على البلاد وشؤون تسييرها.

يقول البعض إنّ الأحزاب في تونس تلاحقها لعنة التحالف مع «النهضة»، فكل حزب قد تصدّع بعد التحالف معها في شكل أو آخر، ويذهب البعض إلى اتهام «النهضة» بأنها تحسن التآمر على الأحزاب الأخرى بتقريب بعض القيادات وتضخيم شأنها. لكن على افتراض صحة هذا الطرح، فإن أصحابه لا يفسرون لماذا عجزت الأحزاب عن استغلال تصدعات «النهضة» ومشكلاتها الداخلية، إذ إن المحاولات متبادلة بين كلّ الأطراف. ثم من غير الصحيح اعتبار حزب «النهضة» ملقّحاً ضدّ الانفجار الداخلي، فالحقيقة أنه انفجر بدوره عند وصوله إلى السلطة، وأضاع على التونسيين وقتاً ثميناً وسنوات حاسمة بسبب الصراع بين تياري الصقور والحمائم فيه، ولم يتوقف هذا الصراع إلّا بسبب أحداث 30 كانون الثاني (يناير) في مصر وخشية أبناء الحزب أن يجدوا أنفسهم في وضع مماثل، وهم الذين خبروا على مدى عقدين السجون والمنافي.

إذاً ليس هنا أصل المشكلة. وإنما السبب الحقيقي ضعف الثقافة السياسية للأحزاب وغلبة الشعارات والخطابة والمناورات الفارغة، واعتماد المزايدة للهروب من المشكلات، وإنشاء آلات نضالية ضخمة لا يقابلها عمل جدّي في وضع البرامج والمقترحات، وإفراز قيادات فهلوية كثيرة الكلام قليلة النجاعة تضطلع بأدوار بارزة في صخب الحملات الانتخابية وعلى شاشات البرامج التلفزيونية التافهة، ثم لا تقدّم شيئاً إذا ما أصبحت في مواقع المسؤولية لأنها غير مهيأة لذلك أصلاً.

لقد جاء حزب «النهضة» إلى السلطة سنة 2011 ببرنامج يتضمن 365 وعداً انتخابياً (بمعدل وعد يتحقق كل يوم، بما أن الفترة الانتقالية كانت مقرّرة بسنة واحدة!) وما إن جلس على كرسي الحكم حتى ترك جانباً تلك الوعود التي كانت مستحيلة التحقيق على كلّ حال، وشغل الشعب بقضايا أخرى لا ذكر لها في برنامجه الانتخابي، على غرار تطبيق الشريعة.

وجاء حزب «نداء تونس» سنة 2014 يحمل برنامجاً قيل إنّه من صياغة خبراء ذوي تجربة طويلة في الإدارة، وكان الجانب الاقتصادي فيه هو الأبرز، لكن بعد وصوله إلى الحكم تركه جانباً وأصبح الحل الاقتصادي عنده المصالحة مع رجال الأعمال المتورّطين في قضايا الفساد، بل الأدهى أنّ هذا الحزب الذي كان ينتظر منه أن يكون خبيراً في هذا الميدان بالذات، أي الاقتصاد، ستتحقّق في عهده نسبة نمو قريبة من الصفر أو أدنى منه في نهاية السنة الحالية!

يخشى أن يفقد المواطن غير المسيّس قناعاته الديمــــوقراطية بعد خيبتين انتخابيتين متتاليـــــتين. لكن الطبقة السياسية لا تبدو عابــــئة بالقضايا الاقتصادية ووقائع العيش اليومي للمواطنين. وإذا ما واصلت هذا المنحى فقد تخــــسر جزءاً كبيراً من المكاسب السياسية التي تمتعــــت بها منذ الثورة، والتي لا بدّ من المحافظة عليها. وأهم وسيلة للمحافظة هي تحويلها إلى مكاسب يومية في حياة عامة الناس.

لم تنجح جائزة نوبل في رفع المعنويات بسبب ـــتزامنها مع أزمة «نداء تونس» وتبعات هذه الأزمة على الوضع الاقتصادي. مع أن هذه الجائزة كانت قابلة أن توظف لاستقطاب الاستثمارات وتحسين سمعة البلاد في الخارج وتعديل الصورة التي انتشرت عالمياً بسبب العمليتين الإرهابيتين في باردو وسوسة. ومع ذلك، فالحلول متوافرة لو اتسم السياسيون بالواقعية واستفادوا من الخبرات الحقيقية والمبادرات الصادقة. وعلى المجتمع المدني أن يستعيد دوره وموقعه في العملية السياسية ولا يتركها لفهلوة الأحزاب. لكن أهم التحديات المطروحة حالياً الحذر من أن يتحقّق التحذير الذي أطلقه أرسطو قبل أكثر من 25 قرناً، وهو أن تتحوّل الديموقراطية إلى نظام غوغائي شعبوي أو حكومة أثرياء (بلوتقراطية)، أو ربما خليط فاسد من هذا وذاك.

وليس الحلّ اليوم في التنازل عن الديموقراطية أو التراجع عن أهداف الثورة، لكن في تعديل مسار سياسي طغت فيه المزايدات على الواقعية، والكلام على الإنجاز، بما يوشك أن ينسف آمال التونسيين أوّلاً وآمال العالم المتفائل بتجربتهم ثانياً.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
احتجاجات ليلية قرب العاصمة التونسية ضد انتهاكات الشرطة
البرلمان التونسي يسائل 6 وزراء من حكومة المشيشي
البرلمان التونسي يسائل الحكومة وينتقد «ضعف أدائها»
الولايات المتحدة تؤكد «دعمها القوي» لتونس وحزب معارض يدعو الحكومة إلى الاستقالة
«النهضة» تؤيد مبادرة «اتحاد الشغل» لحل الأزمة في تونس
مقالات ذات صلة
أحزاب تونسية تهدد بالنزول إلى الشارع لحل الخلافات السياسية
لماذا تونس... رغم كلّ شيء؟ - حازم صاغية
محكمة المحاسبات التونسية والتمويل الأجنبي للأحزاب...
"الديموقراطية الناشئة" تحتاج نفساً جديداً... هل خرجت "ثورة" تونس عن أهدافها؟
حركة آكال... الحزب الأمازيغيّ الأوّل في تونس
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة