الثلثاء ٢٤ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: نيسان ٤, ٢٠١١
المصدر: nowlebanon.com
 
نحن وسوريّا... - حازم صاغيّة

في هذه الزاوية، الأسبوع الماضي، كتب موقّع هذه الأسطر عن سوريّا الأخرى التي نحبّها. لكنّ بعض القرّاء الذين علّقوا على تلك العجالة هالهم أن تترافق كلمتا "سوريّا" و"حبّ" في عبارة واحدة.

وهذا ليس حصيفاً ولا نبيلاً.

قد يفهم المرء سرّ هذه المشاعر النابعة من تناقض كبير بين التركيبين اللبنانيّ (التعدّديّ والمدنيّ) والسوريّ (الآحاديّ والعسكريّ والقوميّ)، ومن معاناة مديدة عاناها اللبنانيّون على يد النظام البعثيّ. إلاّ أنّ التفسير شيء والتبرير شيء آخر.

 

ذاك أنّ ثمّة شراكة في الألم الذي أنزله طرف واحد بالشعبين السوريّ واللبنانيّ. وإذا كانت معاناة اللبنانيّين مع هذا الطرف ترقى إلى 1976، فإنّها ترقى، في حالة السوريّين، إلى 1963.

وفي عودة إلى الوراء يتبدّى أنّ كلّ قهر كان يُنزله حكم سوريّ بلبنان كان يقابله ألف قهر يُنزله الحكم نفسه بسوريّا. فمقابل التدخّل في الشأن اللبنانيّ عام 1958، أُخضع الشعب السوريّ للتسلّط الأمنيّ الذي رعاه عبد الحميد السرّاج. ومقابل التدخّل عام 1949، الذي جسّده دعم حسني الزعيم للقوميّين السوريّين وانقلابهم، كان السوريّون يعانون تأسيس الانقلاب العسكريّ فوق أعناقهم بوصفه النمط الناظم لحياتهم.

ثمّ إذا صحّ أنّ لبنان لا يستقرّ في ظلّ نظام استبداديّ في سوريّا، فإنّ من الصحيح أيضاً أنّ لبنان لا يعيش من دون علاقة مستقرّة مع سوريّا. يكفي النظر إلى الحدود الخارجيّة للتأكّد من قدرة سوريّا (وهذا ما مارسته في ظلّ أنظمتها الاستبداديّة المتعاقبة) على خنق لبنان اقتصاديًّا.

 

وقد لا يكون من المبالغة القول بضرورة إحداث نقلة نوعيّة في الثقافة السياسيّة السوريّة، وهي ما يتجاوز نظاماً من الأنظمة. ومن عناوين النقلة المطلوبة تغيّرٌ عميق في مفهوم الوطنيّة والمواطنة: فسوريّا وطن وليس "قطراً"، وهي نفسها الوطن والأمّة وليس "الوطن العربيّ" المزعوم هو الوطن، كما أنّ دورها في الموضوع الفلسطينيّ هو أن تدعم الفلسطينيّين لا أن يدعمها الفلسطينيّون في طموحات توسّعيّة يسمّيها البعض وحدويّة، وغالباً ما يدفع لبنان أفدح أثمانها.

لكنْ وبالقدر نفسه مطلوبٌ إحداث نقلة نوعيّة موازية في الثقافة السياسيّة اللبنانيّة، من عناوينها مغادرة الوعي الأبرشيّ الضيّق الذي يسوّغ التعالي والتشاوف الفارغين، كما يسوّغ (وهذا أخطر) ممارسات عنصريّة بحقّ العمالة السوريّة المهاجرة التي لفظها نظام البعث إلى خارجه.

 

ولا بأس بالتذكير بكثيرين من زعماء لبنان، ممّن يقفون اليوم في 8 وفي 14 آذار على السواء. فهؤلاء برعوا، خلال حقبة الوصاية، في امتداح الحاكم السوريّ حتّى التأليه، كما برعوا في كراهيّة العامل السوريّ واحتقاره حتّى الأبلسة. وهذه ليست من شيم السادة الأحرار، كي لا نقول إنّها من شيم العبيد. ذاك أنّ الحرّ يتعاطف مع شريكه في الألم بدل التمسّح على أعتاب المتسبّبين بهذا الألم. لقد بلغ المسخ النيتشويّ ببعض هؤلاء أنّهم استكثروا رئاسة الرئيس السوريّ "العبقريّ" حافظ الأسد لشعب سوريّا الذي يستحقّ، في رأيهم، رئيساً كرؤسائنا "غير العباقرة". أمّا نحن، اللبنانيّين، العظماء والعباقرة طبعاً، فلا يليق بنا إلاّ الرئيس العظيم الذي يقيم في دمشق وتجمعنا به "العبقريّة"!
وهذا الاستبدال من شهوات العبيد.

إنّنا لكي نكون أحراراً ينبغي أن نتمنّى الحريّة لسوريّا، ولكلّ شعب وبلد في العالم، مثلما نتمنّاها لأنفسنا.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة