أزمة انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، المتمادية منذ أكثر من عام ونصف عام، ليست مسألة شكلية طارئة، شأن سائر الأزمات السياسية او الاجتماعية او الاقتصادية التي تعصف بالبلد من حين لآخر، ثم لا تلبث ان تتلاشى وتنتهي طي النسيان، بل ان مردها في رأينا الى اشكال تاريخي بنيوي ضارب في عمق التركيبة اللبنانية المعقدة. فالدولة اللبنانية تاريخياً لم تذهب في الاتجاه الحداثي الذي تطلع اليه متنور النهضة العربية، لتتحول الى دولة حديثة تنطبق عليها قيم ومعايير الحداثة السياسية في شكلها الليبرالي كما استقرت عليه في الديموقراطيات الغربية. وظلّت لذلك تنتج وتعيد انتاج نسخاً شوهاء ومكررة لنظام القائمقاميتين، قوامها تسوية هشة بين الجماعات المكونة للكيان اللبناني، بناء على عقد طوائفي لا مدني، تتقاسم فيه الطوائف اللبنانية المواقع والمقائم والمكاسب والنفوذ، لا على اساس المواطنية والأهلية والكفاءة، بل على اساس الصراع والغلبة وموازين القوى.
في ظل هذا الخلل التاريخي بقي الخطاب السياسي اللبناني، متناقضاً في جوهره ومراميه مع روح الحداثة وتوجهاتها، رغم استعارته اكثر المفردات عصرنة من قاموس الحداثة، كالديموقراطية والمواطنية والاعتراف بالآخر وحقوق الانسان والمواطن، فالتشديد على رفض الآخر ونبذه واقصائه، سمة اساسية وبارزة في هذا الخطاب، باعتبار الذات وحدها مؤتمنة على الحق، في مواجهة الآخر المفتقد لأية مشروعية وطن`ــية أو سياسية، والذي هو باختصار مرادف للشر الموجب للتعامل معه بالنفي الذي يصل الى حد الإلغاء والاستئصال.
ليس أكثر تعبيراً او دلالة على هذا المنحى الأيديولوجي من السجال الراهن حول رئاسة الجمهورية والرجل المناسب لتولي المنصب. فإذا كان من حق المسيحيين الاهتمام بموقع الرئاسة، والقلق من ان يكون تعثر انتخاب الرئيس مؤشراً إلى تراجع موقعهم في التوليفة الطائفية اللبنانية، الا انه ليس من حقهم ان ينهجوا في الذود عن هذا الموقع بلغة ما قبل حداثية اقصائية تجرد الآخر من مشروعيته الديموقراطية، كونه طرفاً اساسياً في التعددية السياسية التي لا تستقيم الحال اللبنانية من دون مراعاتها. فهل يكفي اللوذ بالتفاهم بين المسيحيين وتوحيد صفوفهم حول مرشح للرئاسة لإضفاء المشروعية السياسية والوطنية على هذا المرشح واعتلائه تالياً سدة الرئاسة، أم ان خيار الرئيس يجب ان يكون خياراً وطنياً تشارك في انجازه كل مكونات الوطن؟
لعل هذا تحديداً وجه الإشكال، فميشال عون يعتبر الرئاسة حقه الطبيعي، كونه الأكثر تمثيلاً للمسيحيين، فيما رئاسة الجمهورية شأن وطني لبناني يجب ان يعلو على التعدديات الطائفية والمذهبية. في المقابل يطرح خصوم عون تصورات لحل الإشكال الرئاسي لا تأخذ في الاعتبار توجهات الأكثرية المسيحية، المعنية في الدرجة الأولى بشخص الرئيس وموقعه الشعبي والطائفي، الأمر الذي يضفي بعض المشروعية على مخاوف المسيحيين. ولا مخرج من هذا الاشكال المستعصي إلا من خلال تجاوز الطرح الطائفي الى الطرح الوطني والاجتماعي الذي يمكن ان يؤطر حوله اكثرية اللبنانيين، ويوحد رؤيتهم الى المستقبل، ما لا يمكن ان يستقيم إلا بالعودة الى التوجه التاريخي للمفكرين اللبنانيين المتنورين، بخاصة المسيحيين. فهؤلاء ادركوا واقع المسيحيين الأقلوي، ليس في لبنان فحسب، بل في العالم العربي، فبادروا الى طرح الرابطة القومية والوطنية بديلاً للروابط الطائفية، وكانوا السباقين الى المناداة بالوحدة العربية وبالتحرر الاجتماعي والسياسي، وفصل السياسي عن الديني. أدركوا ان صمودهم في الشرق رهن بتجُّذر انتمائهم الى أمتهم وهمومها وقضاياها الكبرى، وانخراطهم في قيادة مصيرها، وليس بالانكفاء الى عصبوياتهم الأقلوية. فليس غريباً ان يكون المعلم بطرس البستاني اول من اعلن اعتزازه بدمه العربي، وان يدعو انطون سعاده الى وحدة سورية الطبيعية، وامين الريحاني الى الوحدة العربية الشاملة، وأديب اسحق الى الالتزام القومي في الصحافة العربية.
وأدرك المسيحيون المتنورون العرب خطر الصهيونية الوجودي، فبادر نجيب العازوري قبل وعد بلفور باثنتي عشرة سنة الى اعتبار الصراع مع الصهيونية صراعاً مصيرياً، وجعل فرج الله الحلو وميشال شيحا وكمال الحاج مقاومة الصهيونية في مقدم الأخطار المحيقة بالمسيحيين وبالعرب.
وكان المسيحيون في طليعة الرواد العرب الذين طرحوا مسألة العدل الاجتماعي والطبقي، وجاهروا بآرائهم الاشتراكية، من شبلي الشميل وفرح انطون الى فرج الله الحلو مروراً بيوسف ابراهيم يزبك وفؤاد الشمالي.
أين هذه الهموم الكبرى مما يطرح اليوم في صفوف المسيحيين القلقين على مصير الرئاسة اللبنانية من هواجس عصبوية، ومن تغييب للخطر الصهيوني، ومن تنصل من أفكار العدالة الاجتماعية والطبقية، فيما المسيحيون يضربون في أصقاع الأرض، بحثاً عن قوت وملاذ؟
هل ثمة تصور قومي او وطني على الأقل، في ما هو مطروح في الخطاب الرئاسي، لدولة تقوم على قوانين علمانية تأخذ في الاعتبار الفرد والكفاءة الفردية، عوضاً عن المحاصصة الطوائفية؟ هل ثمة تصور لعصبية وطنية تتعدى المصالح الفئوية يمكن ان تشكل جامعاً للتناقضات والولاءات؟ هل ثمة تصور لموقع لبنان العربي والاقليمي وشكل اندراجه في محيطه؟ هل ثمة موقف واضح ومحدد للتعامل مع الخطر الصهيوني او مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية او مع الاشكالات التي يطرحها الانفجار الديموغرافي وبطالة الشباب وهجرتهم، أو مع الخلل الطبقي المتمادي والمنذر بعواقب وخيمة على الأمن السياسي والاجتماعي؟
لا شيء من ذلك في ما يتردد في الخطاب الرئاسي، بل ان الخطاب الاستئصالي الذي انتهج بين الخصوم ينقلب من دون ذرائع ايديولوجية الى تحالف غير مبرر إلا بالمصالح الآنية. فميشال عون يغدو مرشح سمير جعجع الرئاسي وسليمان فرنجية يصبح مرشح 14 آذار، مع ما في هذا الانقلاب من تغييب لأية مبادئ سياسية او اجتماعية او وطنية.
وليس الشأن الاجتماعي أقل تغييباً، فقد التقى التيار العوني مع الهيئات الاقتصادية في رفض الحد الأدنى من حقوق الطبقات الشعبية في العيش الكريم، وكان ذلك من اسباب اجهاض مشروع سلسلة الرواتب للموظفين.
خلاصة ذلك كله، ان الخطاب الرئاسي ما برح يستعيد روح نظام الملل العثماني وفكر القرون الوسطى، وليس في ذلك ما يبشر بخلاص للبنان اياً يكن الرئيس المقبل. |