لم يكن مفاجئاً إنفجار الغضب الخليجي عامة والسعودي خاصة من جرّاء بعض المواقف السياسية في لبنان. فبكثير من الهدوء وبأكثر من الصبر استوعبت الدول الخليجية هذه المواقف التي بدأت تتراكم منذ سنوات وتصل في أحيان كثيرة إلى حدّ التجريح بالمقامات. إلا أن ما حصل أخيراً في اجتماعيّ القاهرة والرياض كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، عندها ثارت موجة غضب عارمة في المملكة، وهي قلّما تُظهر مثل هذا الغضب في سياساتها الخارجية التي تتّسم دائماً بالاعتدال والتوازن. أضف إلى ذلك، أن المملكة تعرف جيداً أن أكثرية اللبنانيين تتعاطف معها وتقدّر تعاملها الإيجابي مع لبنان واللبنانيين. لقد اتسم التعامل الخليجي مع الملف اللبناني بإيجابية متناهية اختبرت غير مرة وفي أكثر من مناسبة، بدليل أن كل ما فعلته دول الخليج حيال المواقف المعادية لها مدى أربع سنوات هو أنها نصحت رعاياها بعدم المجيء إلى لبنان في ظل الأوضاع السياسية غير المستقرة بل المتشنّجة وخصوصاً بعد اندلاع الحرب في سوريا مع أخذ حالات إبعاد عدد من اللبنانيين من بعض الدول في الاعتبار.
بناءً على ذلك، يتفهم المرء موقف السعودية الأخير الذي تمثل في وقف المساعدات للجيش وقوى الأمن الداخلي، إذ من الصعب أن تستمر المملكة في تعاملها الإيجابي في ظل موقف حكومي لبناني متردد تجاهها وفي ظل خروج عن الإجماع العربي بفعل الإنقسام اللبناني. وعلى رغم هذه الخطوة، فإن السعودية ومعها دول الخليج تقف حائرة، فهي لا ترغب في إتخاذ مواقف من شأنها إلحاق الضرر بالشعب اللبناني، ولكنها في الوقت نفسه لا يمكنها السكوت على إستمرار المواقف السياسية والإعلامية اللبنانية ضدها.
والسعودية، ومعها دول الخليج، تشعر بالصدمة للإتجاه الذي تتخذه الأمور في لبنان وهي ترى المسار التاريخي الذي بنيت عليه العلاقات اللبنانية – الخليجية على مرّ العقود، لا يرتكز فقط على المصالح المشتركة والإحترام المتبادل التي يجري تخريبها في أتون العواصف الإقليمية، بل على ثوابت الإنتماء العربي والهوية العربية، والمؤكدة في دساتير هذه الدول وفي مواثيق جامعة الدول العربية. فالسعودية، بعد الإعتداءات التي تعرضت لها في طهران كانت تنتظر موقف دعم معنوي جامع من العرب، كما أن العرب وعلى رأسهم لبنان كانوا أيضاً في حاجة إلى رصّ الصفوف حول موقف واحد في ظل المخاطر التي تحيط بهم.
ويبدو أن المملكة وبعد استنفاد كل الوسائل الديبلوماسية وكل المساعي لتعديل الموقف، لجأت إلى ما لجأت إليه. وكان على القوى السياسية اللبنانية ولاسيما منها المعارضة للسعودية والخليج وعلى الحكومة اللبنانية استباق الانفجار السعودي واتخاذ الخطوات السياسية اللازمة لاستيعاب الغضب الخليجي وخصوصاً السعودي مراعاة لمصلحة لبنان واللبنانيين، خصوصاً أن الكلّ يعلم مدى ألاهمية الاقتصادية كما السياسية للسعودية والخليج بالنسبة إلى لبنان.
ومن قصر النظر أن يفكر البعض في وجود بدائل من المملكة وبلدان الخليج لا اليوم ولا غداً ولا بعد غد. فالخليج هو الرئة التي يتنفس منها لبنان مالياً واقتصادياً، وبفضل السعودية وضعت الحرب اللبنانية أوزارها بفعل اتفاق الطائف العام 1989.
ومن المفيد التذكير بأن نصف المليون من اللبنانيين الذين يعملون في الخليج يعيلون أكثر من ثلث الشعب في لبنان وهم الذين يحركون فيه قطاعات السياحة والتجارة والاستثمار والتي توفر بدورها فرص العمل للبنانيين وسط الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة التي يعيشها البلد منذ سنوات.
وأهمية اللبنانيين في الخليج بل في جميع بلدان الاغتراب ليست في أعدادهم بل في أوزانهم وفاعليتهم وحجم مداخيلهم وقوة حضورهم الاقتصادي والاجتماعي بل السياسي أحياناَ، وخصوصاً في البلدان الغربية والإفريقية. فما بال هؤلاء السياسيين في لبنان بل ما بال الحكومة تتردد في اتخاذ المواقف الحاسمة في المنعطفات الحاسمة؟ وحسنا فعل الرئيس سعد الحريري عندما استشعر الخطر وبادر إلى المجيء إلى لبنان لرفع الصوت عالياً في وجه الضعف الحكومي واستخفاف الأطراف المعارضين للخليج بمصالح اللبنانيين العاملين هناك وبمصالح اللبنانيين الذين يعتاشون من مداخيل لبنانييّ الخليج. وعلى الجميع وضع سقوف للصراعات السياسية. فأين هي الحكمة في سياسة أو في سلوك سياسي يؤدي إلى إفقار اللبنانيين والتسبب بخسارة مؤسساتهم ووظائفهم وأعمالهم؟ ونحن على ثقة أن لدى القيادات السياسية من الحنكة والحكمة ما يجعلها تقف جميعها عند الخطوط الحمر حرصاً على مصالح اللبنانيين وعلى استمرار العلاقات اللبنانية العربية عامة ومع الخليج خاصة.
ولا بد من الإشارة إلى أن الغضب السعودي والخليجي ليس غضب حكومات فحسب بل هو غضب شعوب أيضاً، إذ أن معظم المواطنين الخليجيين باتوا يحجمون عن المجيء إلى لبنان لا بفعل النصيحة فحسب بل بفعل الاقتناع والخوف. وأكثر من ذلك، فإن بعض المستثمرين الخليجيين أخذوا ينسحبون من لبنان من خلال عرض ممتلكاتهم للبيع. وبدائل السياحة والاستثمار عندهم كثيرة، وإن كانوا يفضلون لبنان وخدمات اللبنانيين. إذاً القضية باتت قضية حكومية وشعبية في آن واحد. وعلى لبنان حكومة وقيادات سياسية مراجعة مواقفهما وتصرفاتهما ووضع خطة سريعة تحفظ استمرارية العلاقات اللبنانية - السعودية - الخليجية التي هي، في جوهرها، استمرارية لمصالح اللبنانيين في الخليج.
أخيرأ، بكلام بسيط نكرر القول إن مصلحة اللبنانيين كل اللبنانيين هي في توفير أحسن الأجواء وأفضل العلاقات مع السعودية لأن مصالح لبنان واللبنانيين كبيرة جداً هناك ولا يمكن تعويضها كما لا يجوز تجاهل المساعدات والتسهيلات والإستثمارات والسياحة ونحو 250 ألف لبناني يعملون في المملكة ويعتاشون مع عائلاتهم من المداخيل التي يجنونها هناك ويدعمون بها جزءاً مهماً من الاقتصاد اللبناني وفرص العمل فيه. كما ان المملكة تمثل قاعدة انطلاق للكثير من المستثمرين اللبنانيين فيها للعمل في بلدان أخرى.
وإذا كان الجميع يعرفون هذه الوقائع ويعيشوها، فعليهم احترام مصالح اللبنانيين وعدم المغامرة بلقمة عيشهم وتهديد مصادر رزقهم. والسعودية لا تشكل العمق الاقتصادي والمالي للبنان فحسب، بل للعديد من البلدان العربية وبلدان أخرى من العالم بحيث إذا عطست المملكة أصيب الجميع بالزكام.
رئيس مجلس الأعمال السعودي - اللبناني
|