الأثنين ٢٣ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آذار ٦, ٢٠١٦
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
مقاربة جديدة للمنطقة - مروان المعشر
استوقفتني كثيراً الاستراتيجية الجديدة التي أعدها البنك الدولي للأردن، إضافة إلى تقرير آخر نشره على الإنترنت في محاولة تفسير الأسباب التي أدت للثورات العربية، وبعض الحلول المقترحة.

لا يتطرق "البنك"، في العادة، للأوضاع السياسية الداخلية للدول المقترضة، لأن نظامه لا يسمح بذلك، مع أن السياسة تلعب دوراً كبيراً في قراراته لتقديم القروض. لذا كانت المقاربات الماضية للبنك تكاد تقتصر على الأمور الفنية البحتة التي لا تأخذ في الاعتبار أو تتجاهل العوامل السياسية التي تؤثر في الاقتصاد. كما أن همّ "البنك" الأكبر كان دائماً تعظيم القروض الممنوحة للدول على حساب الإصلاحات الهيكلية الضرورية في بعض الأحيان، وتبعاً لذلك كانت الحلول المقترحة قاصرة في نواح عدة.

يبدو في الآونة الأخيرة أن "البنك" بدأ ينظر للمنطقة بصورة أكثر واقعية. ولعل الثورات العربية سلطت الضوء على ضرورة دراسة العوامل السياسية والاقتصادية كافة التي أدت لهذا الوضع المزري في المنطقة.

ففي دراسة له بعنوان "لماذا تحتاج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعقد اجتماعي جديد"، يحاول "البنك" تفسير العوامل التي أدت للثورات العربية بالأرقام. وتقول الدراسة إن العقد الاجتماعي القديم (حتى التعبير جديد على مفردات البنك) في المنطقة، والذي كان يقايض توفير الدولة للوظائف والصحة والتعليم ودعم المواد الأساسية مقابل محدودية مشاركة المواطن في صنع القرار، لم يعد يعمل "بكفاءة"، لأن هذا العقد بات عاجزاً عن توفير الأموال اللازمة للصحة والتعليم النوعيين اللذين يشكلان عماد التنمية المستدامة، والداعم الأكبر لتوسيع الطبقة الوسطى، باعتبار أن الكثير من هذه الأموال الضرورية تخصص لنشاطات غير منتجة.

تفيد الدراسة أن عامة الناس باتت محبطة من تدني مستويات المعيشة؛ فلا الدولة قادرة على تقديم خدمات عامة مقبولة، ولا نظم الحوكمة والمحاسبة مقنعة للناس. كما أن الدعم المقدم لم يعد يستطيع حل المشكلة، لأنه لا يذهب لمستحقيه ولا يخلق فرص عمل.

تظهر الدراسة أيضاً، وبالأرقام، أن الظروف التي أدت لإحباط عامة الناس لا تزال موجودة، وأن الهشاشة باتت الصفة السائدة للأنظمة العربية. لذا -وتصوروا أن الكلام للبنك الدولي- فإن هناك حاجة عاجلة لتجديد العقد الاجتماعي وبناء الثقة بين المواطن والدولة؛ عقد يسمح للقطاع الخاص بخلق فرص عمل حقيقية، ويعطي للمواطن مساحة أكبر في التعبير عن رأيه والمساهمة في صنع القرار في منطقة نسبة البطالة فيها، لاسيما بين الشباب، هي ضعف المعدل العالمي، كما أن نسبة غياب الحريات هي الأدنى في العالم أجمع.

ويتحدث "البنك" في استراتيجيته المقترحة للأردن خلال الأعوام الخمسة المقبلة، وربما للمرة الأولى في تاريخه، عن عدم إمكان استدامة النظام الريعي للاقتصاد الأردني، وعن الحاجة لعقد اجتماعي جديد يضمن الوظائف الحقيقية، ويوسع قاعدة صنع القرار لضمان تحسين نوعية الحياة وتحقيق التنمية المستدامة، بكل ما يعنيه ذلك من نظام تربوي جديد وصحة نوعية للمواطن وتمثيل سياسي حقيقي.

يأتي هذا الكلام الصريح من مؤسسة دولية لم تعوّدنا الصراحة التامة؛ فإن كان البنك الدولي لم يعد باستطاعته تغليف الحقائق بحلل زاهية تخفي التحديات الهيكلية، فهل نبقى نحن مصرين على ترحيل المشاكل للجيل المقبل بدلاً من مواجهتها بالصراحة ومعالجة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة؟

وزير الخارجية الاردني سابقا 

جريدة "الغد" الأردنية


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
من "ثورة الياسمين" إلى "الخلافة الإسلامية"... محطّات بارزة من الربيع العربي
لودريان: حرب فرنسا ليست مع الإسلام بل ضد الإرهاب والآيديولوجيات المتطرفة
نظرة سوداوية من صندوق النقد لاقتصادات الشرق الأوسط: الخليج الأكثر ضغوطاً... ولبنان ‏الأعلى خطراً
دراسة للإسكوا: 31 مليارديرًا عربيًا يملكون ما يعادل ثروة النصف الأفقر من سكان المنطقة
الوباء يهدد بحرمان 15 مليون طفل شرق أوسطي من الحصول على لقاحات
مقالات ذات صلة
المشرق العربي المتروك من أوباما إلى بايدن - سام منسى
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
إردوغان بوصفه هديّة ثمينة للقضيّة الأرمنيّة
إيران أو تحويل القضيّة فخّاً لصاحبها - حازم صاغية
عن تسامح الأوروبيين ودساتيرهم العلمانية الضامنة للحريات - عمرو حمزاوي
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة