الازمة التي انفجرت في لبنان، أو فجّرت كما يرى البعض، حول السياسة الخارجية اللبنانية في ضوء موقف لبنان في مؤتمري وزراء الخارجية لجامعة الدول العربية ولمنظمة التعاون الاسلامي تلقي الضوء على اشكالية السياسة الخارجية في دولة تقوم على الديموقراطية التوافقية: التوافقية الطائفية او المذهبية التي تحمل فيتوات متبادلة. الاستقطاب المذهبي اليوم، للتذكير، يعيدنا بالتاريخ الى الاستقطاب الطائفي بالامس؛ استقطاب الحرب الاهلية اللبنانية، والتي كان عنصر التفجير الرئيسي فيها، ولا نقول الوحيد، الموقف من القضية الفلسطينية. الموقف الذي راوح بين اقصى درجات الالتزام الفعلي والعملي واقصى درجات الحياد: بين من يريد لبنان هانوي القضية الفلسطينية يحمل اعباءها وحده عن العرب ومن يريد لبنان سويسرا الشرق المحايدة عن قضايا العرب. قد يكون وراء الفتيل الذي اشعل الأزمة حاليا ازدياد سخونة المواجهة والتصعيد على الصعيد الاقليمي في اطار الصدام المتزايد السعودي الايراني. السعودية التي للبنان الدولة علاقات صداقة تاريخية معها والتي كان لها دور ريادي ومبادر في المساهمة في اطفاء العديد من الحرائق وفي تسوية الكثير من الازمات التي هددت التركيبة اللبنانية، تقود اليوم تحالفا عربيا اسلاميا في حالة مواجهة تصاعدية في حدتها وفي جغرافيتها مع ايران الموجودة بقوة في المنطقة والتي للبنان مصلحة اكيدة في علاقات جيدة معها.
ما نشهده اليوم ازدياد غير محدود في تبادل القصف السياسي الداخلي- الداخلي والداخلي- الخارجي، بين الاكثرية الساحقة في المكوّنين المذهبيين الرئيسيين في لبنان وحلفائهما بالطبع. نعيش اليوم حالة استقطاب ثنائية حادة على الصعيد الاقليمي تنعكس حرارتها في لبنان وعليه مهددة باشعال حرائق فيه، واعادته الى وظيفته القديمة المتجددة: ساحة المواجهة بالواسطة وصندوق البريد الاقليمي. فلطالما كان لبنان، ولا يزال، الاقل تأثيرا والاكثر تأثرا بصراعات المنطقة، نظرا الى هشاشة التركيبة اللبنانية. دعونا نتذكر اشكالية العلاقة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية.
في الدول الديموقراطية، تعكس السياسة الخارجية في خطوطها الاستراتيجية الثوابت الوطنية والمجتمعية. والتغيير عندما يحصل بين طرف وآخر في السلطة يبقى ضمن هذه التوافقات الوطنية وفي اطار المؤسسات المعنية التي تنظم هذا التغيير وتديره. وفي لحظة الازمات الحادة تطلق حوارات ضمن هذه المؤسسات لبلورة المواقف المطلوبة.
في الدول ذات الانظمة السلطوية من جمهوريات وملكيات، هنالك قطيعة شبه تامة بين السياستين الخارجية والداخلية. فالسلطة تستطيع ان تتخذ الموقف الذي تريده في الشأن الخارجي أو تغيّر هذا الموقف دون اي مساءلة من الداخل ايا كان شكل هذه المساءلة بسبب القيود على الحياة السياسية التي تفرضها طبيعة هذه السلطة على المجتمع.
لبنان يشكل حالة ثالثة. فالسياسات الداخلية هي انعكاس للسياسات الخارجية للاطراف المؤثرة في لبنان. فلا ثوابت وطنية راسخة مستقرة بسبب التمايز او الخلافات عادة بين المكونات الاجتماعية الاساسية، طائفية كانت ام مذهبية، وارتباط ذلك بتحالفات مع الاطراف الخارجية تتعدى التحالف السياسي التقليدي الى ولاءات شبه كلية.
تبقى اذاً السياسة الخارجية في لبنان بمثابة محاولة السير على حبل مشدود خوفاً من الوقوع في وادي الخلافات السحيق والقاتل: الخلافات السياسية التي تعكس بشكل واضح صراعات هوياتية مذهبية او طائفية. تصبح السياسة الخارجية حينذاك رهينة لتوازنات متحركة ومتغيّرة بهدف تلافي المسّ بالمواقف والمصالح الاساسية لاحد المكونات الرئيسة في البلد. انخفاض التوتر الخارجي أو التفاهم المباشر او غير المباشر على تحييد لبنان، يساعد في هذا المجال دون ان يلغي مهمة السيرعلى الحبل المشدود. لكن انفجار الصراع الاقليمي على حساب تراجع العنصرين السابقين ينعكس بانفجار الصراع الداخلي سياسياً على الأقل. ومع مخاوف الشحن والتعبئة المذهبية اياً كانت العناوين التي يتلطى بها هذا الصراع الداخلي تزداد المخاوف على مستقبل لبنان. في ظل هذا الوضع المتفجر والمفتوح على كل الاحتمالات هنالك عنصران ضاغطان يفترض العمل في اطارهما لمنع الانفجار:
اولهما، ان التوتر الداخلي سيبقى مرآة للتوتر الخارجي ودرجاته في المواجهة المفتوحة في السياسة والجغرافيا ولا يستطيع ان يخفضه او يحتويه.
وثانيهما، ان ادارة التوتر الداخلي المتزايد بغية احتوائه امر اكثر من ضروري لأن الصدام الذي قد يخرج عن السيطرة بسبب "تبادل رسائل" من هنا او هناك يؤدّي الى خسارة الجميع. فلا طرف باسم المكون الذي يمثله يستطيع ان ينتصر سياسياً على الطرف الآخر تحت اي عنوان. انها لعبة التوازن المتوتر والممسوك ولكن المفتوح على الانفجار.
كيف يمكن اذاً ابقاء لعبة الصراع الداخلي تحت سقف مقبول؟ هذا الصراع الذي يقوم على خليط من التماهي الهوياتي والعقائدي والاستراتيجي والسياسي والمصلحي بين كل طرف وحليفه الاقليمي. ونحن امام امتحانات أخرى مقبلة من اجتماعات وزارية عربية ثم قمة اسلامية في مطلع نيسان.
ان المطلوب تشكيل مجموعة تفكير مصغرة تضم مسؤولين حكوميين ورسميين يمثلون الاطراف المعنية وشخصيات من المجتمع المدني لبلورة افكار ومقترحات عملية بشأن اجراءات لخفض التوتر. من هذه الافكار وقف عملية "القصف" السياسي والاعلامي بين طرفي الصراع في الداخل وتلك الموجهة من الداخل "للخارج-الآخر" لتبريد الأجواء وخفض الاحتقان. من مهمات هذه المجموعة ان تبلور مقترحات لإعطاء مضامين عملية للحوار الضروري في الداخل اكثر من اي وقت آخر. كما ان على هذه المجموعة التفكير ايضاً في بلورة مقترحات عملية لخطاب ديبلوماسي لبناني لتشجيع ودعم كل توجّه اقليمي ودولي وهو قائم لاطلاق حوار سعودي ايراني باعتبار ان هذا الحوار متى انطلق وانجز تفاهمات مطلوبة هو المدخل الفعلي لانقاذ لبنان من تحوله مجدداً ساحة صراع ملحقة هذه المرة بالصراع الشديد التعقيد في عناصره وتداخلاته الممتد من اليمن الى سوريا. فحقيقة الامر ان مجرد الاكتفاء بالانتظار هو افضل وصفة للانهيار والانتحار.
كاتب سياسي
|