مثلما كان متوقعاً، قبل انعقاده، اعتمد مؤتمرٌ عُقد في مدينة رميلان السورية، يومي الخميس والجمعة الماضيين، الفيديرالية. المؤتمر عُقد بزعامة حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، وبمشاركة لا يُعتد بها من جانب منظمات إثنية أخرى، لأن ظروف الصراع الحالية لا تجيز القول أن سكان المناطق المعنية أتيحت لهم ممارسة حقهم الديموقراطي فعلاً.
أما من ناحية الأكراد، فيمكن الجزم بأن إعلان الفيديرالية يلاقي قبولاً وترحيباً عامّين، حتى من أولئك الذين لا يناصرون حزب الاتحاد، بل لعل هذه الخطوة هي الأكثر شعبية للحزب في عموم الوسط الكردي.
الإعلان قوبل فوراً بعدم قبول من النظام والمعارضة، وسبقه عدم قبول أميركي وروسي، وبالطبع تركي. ومجيء الإعلان أحادياً، قبيل المفاوضات المنتظرة حول مستقبل سورية، يضعه في مرتبة إعلان الانفصال، أو يقرّبه من مفهوم الكونفيديرالية أكثر من الفيديرالية التي تكـون نظاماً عاماً معمولاً به في عموم البلاد. لكن يُرجح أن يكون الإعلان بصيغته الحالية قابلاً للمساومة، عندما تحين لحظة إعداد دستور سوري جديد، والذي تشير أغلبية الدلائل إلى اعتماده مبدأ اللامركزية.
إذاً، هي المرة الأولى التي تقفز فيها القضية الكردية إلى الصدارة سورياً، بل المرة الأولى التي ينسب فيها أكراد لأنفسهم ريادة تقرير مستقبل البلاد، وهي بلا شك المرة الأولى التي نشهد فيها صعوداً كردياً بخلاف النظام والمعارضة اللذين يبدوان في أضعف حالاتهما. مع ذلك، سيكون من العسير على الأكراد تنفيذ البيان ما لم تكن هناك موافقة دولية ضمنية عليه، وما لم يكن إطاره العام مدرجاً في الأصل ضمن التفاهمات الأميركية الروسية. في هذه الحالة، ربما تتضاءل فاعلية الاعتراض عليه لتقتصر على مساومات جزئية هنا أو هناك، من دون أن تمس جوهره الذي سيتجه نحو مثال الحكم الذاتي في كردستان العراق.
غير أن التحديات أمام تجربة الأكراد في سورية تختلف عن العراق، وربما لن يكون سهلاً حلها على النموذج نفسه، بخاصة مع توسع المطالب فوراً لتشمل مناطق ذات غالبية عربية تمت السيطرة عليها مؤخراً بقوة السلاح، فضلاً عن الإشكالات القديمة التي لن تُحل إلا بديموقراطية متقدمة أو تطهير عرقي. إذ من المعلوم أن الخريطة التي اعتمدها حزب الاتحاد تقفز على الواقع لتبتلع محافظة حلب بأكملها تقريباً، وترسم كياناً جغرافياً جديداً لم يكن له وجود سابق في غالبية الأدبيات الكردية نفسها. الخريطة الكردية الكلاسيكية تُظهر وطناً متصلاً تم اقتسامه بين أربع دول هي تركيا وإيران والعراق وسورية. فقط بعض المغالين كان يمطّها لتتوسع على النحو الذي بات يعتمده الحزب الآن، سواء من أجل تحقيق الاتصال الجغرافي ضمن سورية، أو لغايات توسعية مستجدة.
ثم، من المعلوم أن جانباً من الخلافات العربية الكردية في منطقة الجزيرة تحديداً له أسباب اقتصادية مقنّعة بالاعتبار القومي، الأمر الذي يمكن إرجاعه بخاصة إلى الإصلاح الزراعي الذي يرى الأكراد أنه لم ينصفهم، لا لجهة عودة الملكيات الكبرى لإقطاعيين أكراد وإنما لجهة توزيعها، وأيضاً لجهة تعويض العرب الذين غمرت أراضيهم مياه سد الفرات بأراض هناك. الإقطاعيات في تلك المناطق كانت تعود في معظمها لملاك عرب، وهذا لا يبرر أية مظلومية وقعت على الأكراد، بخاصة حرمان المجردين من الجنسية من الاستفادة منها فوق حرمانهم الأصلي، لكن الأهم أن سلوك النظام قبل عقود أوجد مشكلة لن تجد حلاً مع عدم الاعتراف بالأمر الواقع وتوافر النية على إلغاء جزء من مفاعيله، مع ما يستتبعه ذلك من عداوات جديدة. ذلك لا نجده مثلاً في منطقة عفرين أو كوباني ذات الأغلبية الكردية، حيث جميع إقطاعيي المنطقة والمستفيدين من الإصلاح الزراعي كانوا من الأكراد.
يصعب تصور حل للمظلومية الكردية، كما يقدّمها أصحابها، من دون القيام بعمليات تطهير عرقي واسعة النطاق، وعدم السماح لنازحي تلك المناطق بالعودة إلى ديارهم وأراضيهم بعد انتهاء الحرب. يصعب أيضاً تصور سيناريو مختلف يضمن حقوق الجميع، لأن مسودة الإعلان تنص على حق كل مكون فيديرالي في صياغة قوانينه الخاصة، وذلك لا يشكل ضمانة جيدة لحقوق الأفراد والجماعات على وجه العموم، ولا ينجيهم من عمليات انتقام أو كيد متبادلة. الوضعية ذاتها تنطبق على العرب الخاضعين للسيطرة الكردية، وعلى الأكراد المتبقين في أماكن خارج الإقليم الكردي. في مساحة ضيقة، وموارد لا تُقارن بالموارد النفطية العراقية، لا يُستبعد بلوغ العداوات مستوى ينذر بحرب استنزاف طويلة.
الشائع في الأوساط الكردية مع الإعلان عن الفيديرالية هو كونها مقدمة لإرساء الدولة والانفصال، ولعل تلك الخلاصة هي منبع الجدل اليوم، وككل مناسبات الاحتراب «الأهلي» لا تغيب الشتائم والعنصرية عن الطرفين، وتغيب معهما احتمالات العلاقة الأفضل اتصالاً أو انفصالاً. ثمة عرب لا يجدون مبرراً للنزوع الانفصالي الكردي سوى اعتباره تهمة يرافقها الكثير من الطباع السلبية الأصيلة، وفي المقابل ثمة أكراد لا يجدون ما يدفعون به عن أنفسهم تلك «التهمة» سوى إلصاق النعوت السيئة بالعرب جملة وتفصيلاً.
الأفق ليس صافياً على أرضية نزوع كل طــرف إلى التوسع والسيطرة، ولا يبدو أن أحـــداً مـــن الطرفين تعلم من دروس السنوات الخمس الأخيرة. حتى إذا سلّمنا بوجود نوايا صافية تجاه مسألة الفيديرالية، لا الانفصال، فالطرف الكردي لا يستطيع فرضها من طرف واحد، ولو توافرت لدى الأطراف العربية نوايا أفضل للحل لأجري الإعلان عنها بعيداً عن العموميات، أو لأجريت مناقشة الطرح الفيديرالي نفسه بعيداً عن التشنج ولغة الاتهام.
الحصافة كانت تقتضي توقع ما حدث، لأن مقدماته برزت قبل نحو أربع سنوات، فوق تراكمات عقود سابقة. الآن، ربما صار متأخراً جداً الحديث عن وطن سوري خارج التمنيات، فالشقاق بين المجموعات السورية لم يكن يوماً على هذه الدرجة من الوعي والحدّة والانتشار معاً. الجماعات الأساسية كلها مكلومة ومتحفزة، أكثر من كونها منهكة وميّالة للتسوية والتعايش اللذين لن يأتي الخارج بهما. الاعتقاد بأن زمن الوطنية لم يأت بعد ليس أحسن حالاً، أو على الأقل لا يزيد وجاهة عن الاعتقاد بانتهاء سورية الموحدة. |