الأربعاء ٢٥ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آذار ٢٠, ٢٠١٦
المصدر: جريدة الحياة
عقبات أمام الحكومة الليبية - محمد الأشهب
سيظل وضع حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية في ليبيا معلقاً. فلا هي حكومة منفى تنتظر الضوء الأخضر لممارسة مسؤولياتها، كما حدث في تجارب المفاوضات النهائية لتحقيق الجلاء عن الدولة المستقلة الناشئة. ولا هي حكومة انبثقت من وفاق الأطراف المتناحرة، إلا بالقدر اليسير الذي مكّن من تنفيذ جانب من قرارات مفاوضات الصخيرات.

المشكلة المحورية أن مهام هذه الحكومة التي لم يرافقها سند سياسي على أرض الواقع، تبدو أكبر من قدراتها، لأنه لا يمكن أي سلطة تنفيذية، مهما أوتيت من أشكال الدعم الخارجي، أن تفرض برنامجها وأسبقياتها ذات العلاقة باستتباب الأمن وفرض القانون وشطب تأثير الميليشيات، من دون أن تلتف حولها معظم القوى والأطراف السياسية المتصارعة.

وإذا كان مجرد انتقال الحكومة إلى طرابلس التي كانت عاصمة ليبيا ما قبل تفتيت مصادر القرار، يطرح إشكالات أمنية بالغة التعقيد، فكيف يمكنها أن تقر خطة انتقالية طموحة، تبدأ بإلغاء الوجود المسلح للتنظيمات المتحاربة، وتؤسس مرجعيات السلطة التي تضمن احترام القانون، بخاصة أن مسؤولياتها أكثر تشعباً في غياب وحدة السلطتين القضائية والاشتراعية الموزعتين بين أطراف عدة.

في تجارب سياسية كثيراً ما كانت تقابل عودة الحكومات الشرعية بالاحتفالات والهتافات، لأن وجودها يصبح مقترناً ببداية الخلاص من ضغوط وإكراهات تحد من مظاهر الحرية وممارسة السيادة. لكن الأمر يبدو مختلفاً في ليبيا، لأن ما من طرف في الصراع الدائر يبدو مطمئناً إلى الآتي من القرارات التي ستصدر عنها. ولعل أصل المشكل يكمن في استمرار الحذر وتوجيه الاتهامات ورفع سقف الشروط. مع أن الذهاب إلى مفاوضات الصخيرات كان بهدف إقرار مصالحة شبه نهائية.

أكثر المخاوف وأشدها خطورة أن حكومة الوحدة الانتقالية لا تنظر إلى ما يمكن أن تقوم به على صعيد تثبيت أركان الدولة المستقلة، عسكرياً وأمنياً واقتصادياً وسياسياً، لكن ارتفاع دقات الطبول التي تنذر بتدخل عسكري خارجي يعلو على غيره من الأصوات. وقد يكون أن هذه الجلبة هي التي تسبب المزيد من المخاوف.

كان أحد السياسيين يردد عندما يشرد الناس عن سماع ومعاينة الحقائق الكامنة على الأرض، أن لا بأس من نقر زجاج النافذة، وإن بحجر يكسره، فذلك يجلب الانتباه. إلا أنه من الواضح أن الانتباه الذي لم تجلبه المجازر المأسوية وتغلغل التنظيمات الإرهابية، لا يمكن إقراره إلا بعلاج صادم. وطالما أن الفرقاء الليبيين لم يتوصلوا في ما بينهم إلى صوغ مشروع بناء الدولة المقبلة، على أنقاض الأوضاع الراهنة، فقد كانت جهود الأمم المتحدة محقة في «إرغامهم» على التوصل إلى تسوية، وإن كانت لا ترضي الرغبات كلها.

في الخلاصة، أن وجود حكومة شرعية، تملك وحدها سلطة القرار في ظل تقاسمه مع باقي السلطات، أفضل بكثير من وضع سائب لا سلطة فيه ولا قرار لغير حملة السلاح ومن يحركهم ويزودهم بأوكسيجين البقاء على قيد الحياة. والراجح أن الحماية التي يجب أن تضمن استقرار الحكومة، يجب أن تكون سياسية. وتلك مسؤوليات تقع على عاتق فئات الشعب الليبي المتنورة، والتي تجاهر بأنه حان الوقت أن تصرخ: كفى مما يحدث.

ولعل ما يتطلبه الموقف أن تكون رسائل الاطمئنان قوية ومشجعة للجميع، باستثناء الخارجين عن القانون الذين جاءت الحكومة لتحاربهم. ولن تقدر على ذلك إذا كانت وحيدة ومعزولة تحت حماية البنادق.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
سيف الإسلام القذافي يخطط للترشح لرئاسة ليبيا
اشتباكات غرب طرابلس... وحكومة «الوحدة» تلتزم الصمت
رئيس مفوضية الانتخابات الليبية: الخلافات قد تؤخر الاقتراع
خلافات برلمانية تسبق جلسة «النواب» الليبي لتمرير الميزانية
جدل ليبي حول صلاحيات الرئيس القادم وطريقة انتخابه
مقالات ذات صلة
دبيبة يواصل مشاورات تشكيل الحكومة الليبية الجديدة
كيف تتحول الإشاعات السياسية إلى «أسلحة موازية» في حرب ليبيا؟
لقاء مع غسان سلامة - سمير عطا الله
المسارات الجديدة للإرهاب في ليبيا - منير أديب
ليبيا من حالة الأزمة إلى حالة الحرب - محمد بدر الدين زايد
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة