الخميس ٢٦ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آذار ٢٧, ٢٠١٦
المصدر: جريدة الحياة
عواقب اختزال الدولة في سلطة مطلقة - وحيد عبد المجيد
اقترب العرب من العصر الحديث في أمور ثانوية، وبقوا بعيدين منه في قضايا جوهرية، منها قضية الدولة بالمعنى المعروف في هذا العصر. أخذنا شكل الدولة، واختزلناها في سلطة مطلقة مغلقة على نفسها ومتعالية على المجتمع.

وحين يزداد انغلاق السلطة وتعاليها، تصبح معارضتها موصومة بأنها تهديد للدولة والوطن. لكن هذا النوع من السلطة هو الذي يهدّد الدولة بدعوى احتكار حمايتها، لأنه يُضعف قدرتها على الإنجاز والنجاح والتقدّم، ويحرمها طاقات خلاَّقة، ويوصد الأبواب أمام إصلاحات ضرورية لتقويتها. فما السلطة في هذا العصر إلا أحد مكونات الدولة، التي تشمل أيضاً الشعب والأرض أو الإقليم. ويُعدّ الشعب المكوّن الأهم للدولة في العصر الحديث. وهو الذي يأتي بالسلطة في الدولة الحديثة التي تقوم على مبدأ سيادة الشعب.

لذلك، فعندما تُختزل الدولة في سلطة وأجهزتها، لا بد أن يكون هناك خطأ في الشيئين، أي في الدولة، وفي السلطة. وفي هذه الحال، نكون إزاء دولة وفق معطيات يُفترض أنها انتهت مع العصر الحديث. فقد استمدّ عصرنا وصفه بأنه حديث من تغيرات جوهرية في مقدمها التمييز بين الدولة والسلطة، وتحوّل الشعب للمرة الأولى في التاريخ من رعايا إلى مواطنين، فصار هو مصدر السلطة وصاحب السيادة فى الدولة.

وهذه هي السمة الأساسية التي تُميِّز العلاقة بين الشعب والسلطة في العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. وفي غياب هذه العلاقة، تكفّ الدولة عن أن تكون دولة بالمعنى الحديث، وتتجاوز السلطة وظيفتها، وتتضخّم على نحو لا تبقى معه حاجة إلى المشاركة المجتمعية التي باتت أهم مصادر قوة الدولة، فيكبر الخطر الذي يُراد حمايتها منه. وكلما استمر هذا الوضع، ازداد الخطر وأدى إلى تصدّع في الكيان المادي الذي تهيمن عليه السلطة وقد صارت مطلقة، لأن تغوّلها على المجتمع يُحوّله إلى جماعات ينكفئ كل منها على انتمائه الضيّق الديني أو المذهبي، الطائفي أو العرقي.

وتصبح السلطة على هذا النحو مستعدة في بعض الأحيان لأن تفعل أي شيء لمنع أي تغيير، بما في ذلك قتل الشعب أو تهجيره كما يحدث في سورية، أو تمزيق نسيج المجتمع وتحويله إلى أشلاء يظل معظمها مخفياً تحت سطح قبضة من حديد، ثم تتعذر لملمتها، كما الحال في العراق وليبيا.

غير أن استيعاب مثل هذه الدروس ليس من شيم عرب هذا الزمان، وإلا ما ازداد الاتجاه إلى مقايضة أمن الناس بحريتهم، وتضييق المجال العام تحت شعار «حماية الدولة» المرفوع بقوة الآن في كثير من بلدان المنطقة، بخاصة تلك التي اندلعت فيها ثورات الربيع. فقد تم تحويل هذا الشعار إلى «صنم» مقدس يهتف به من يجعلونه ذريعة لتقييد الحريات، ويغفلون أن الدول تُحمى حقاً عبر إعمار أرضها عبر عقد اجتماعي بين الشعب وسلطة يرتضيها لتمارس دورها في خدمته من خلال مؤسسات خاضعة للمراقبة والمساءلة والمحاسبة.

ولكي تصل بلاد منطقتنا إلى هذا المستوى من التطوّر، ينبغي تصحيح المعادلة الداخلية التي تختزل الدولة في سلطة مطلقة أو غالبة تؤدي هيمنتها إلى إضعاف النسيج المجتمعي بدرجات متفاوتة تبلغ ذروتها في البلدان التي يتحول فيها التنوع الديني والمذهبي والعرقي من نعمة رائعة إلى نقمة فظيعة. وتنتفي في هذه الحالة قيمة المواطنة التي لا توجد دولة حديثة من دونها، بل يضيع معنى الوطن نفسه في غيابها ويصبح مجرد رقعة جغرافية لا يجمع سكانها جامع.

وينطوي اختزال الدولة في سلطة مطلقة، والحال هكذا، على اختلالين كبيرين. أولهما، أن بنية المجتمع تصبح قاحلة طاردة للتنوير والتحديث، وخصبة للتعصّب والتطرّف والإرهاب. وتُعد الظاهرة الإرهابية، التي يتنامى تهــديدها للدولة، نتيجة عوامل عدة من بينها تفريغ هذه الدولة من محتواها الحديث، واختزالها في سلطة حكم مطلق تستبدل الأجهزة الأمنية بالمؤسسات السياسية والمجتمعية.

أما الاختلال الثاني، فشيوع اعتقاد بأن السلطة غنيمة وليست خدمة عامة، سواء لدى من يملكونها أو معظم من يسعون إلى الحصول عليها. فقد كانت على مر التاريخ، وحتى أقل من قرنين، مع استثناءات نادرة، غنيمة يظفر بها الأقوى والأقدر على فرض سيطرته في أية طريقة إلا الرضا العام الذي صار هو مصدر الشرعية في العصر الحديث. فمن أهم سمات الانتقال إلى هذا العصر، تحوّل السلطة من مغنم يظفر به الأقوى فينقض على خصومه ويبطش بمن يختلفون معه، الى ما يشبه المغرم الذي يفرض على المكلف به أن يسعى إلى تحقيق ما تعهد به في برنامج انتخابي يقدمه.

غير أن المفهوم القديم للسلطة ما زال غالباً لدينا في أشكال عدة. فإذا لم يعتبرها أصحاب السلطة غنيمة، فهم يرونها على الأقل تعبيراً عن تميز يتميزون به فيتصرفون كما لو أنهم الأحرص على الدولة، والأعرف بما ينبغي فعله لحمايتها. ولعل هذا يفسر، على سبيل المثل، لماذا لا يجد كثر من المصريين الذين يعيشون اليوم فرقاً بين السلطات المختلفة التي توالت عليهم منذ مولد كل منهم. فعلى رغم الاختلاف في خطاب هذه السلطات، ظل الجامع بينها أكبر من أي فرق.

ومن أهم ما يجمع هذه السلطات المتعاقبة على مدى ستة عقود، نظرتها السلبية إلى المعارضة التي تُلصق بها عادة اتهامات تبدأ بتعطيل عمل السلطة، وتصل إلى إلحاق الخطر بالدولة، وفق المستوى الذي يبلغه خطاب هذه المعارضة وتوجهاتها النقدية.

غير أنه إذا كان هناك خطر على الدولة نفسها، ومبرر للخوف من تصدّعها، فهو نتيجة سياسات هذا النوع من السلطة التي تتراوح تداعياتها بين التحوّل إلى «دولة فاشلة» وإيجاد بيئة مهيأة لعنف في أشكال مختلفة ودرجات متفاوتة.

والمفارقة التي تنطوي على دلالة خطيرة، وتحمل في طياتها نُذراً أخطر، هي أنه كلما ازدادت التداعيات السلبية لحالة «الدولة» المختزلة في سلطة من هذا النوع، اشتدّ التمسّك بها كما هي خوفاً مما هو أسوأ منها، بدلاً من التعجيل بإصلاحها لأن استمرارها على حالها هو الذي يقود إلى هذا الأسوأ.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة