الأثنين ٢٣ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: نيسان ٦, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
دمشق وأنقرة: هل افترقت الطرق ؟ - مصطفى اللباد
تحليل جيوبوليتيكي لتصريح إعلامي

تشكلت على مدار الأسبوع الماضي حالة واضحة من التوتر في العلاقات السورية – التركية بسبب التبدل الواضح في الموقف التركي من الاحتجاجات الشعبية الجارية في سوريا، ومطالبة تركيا الأخيرة بالبدء فوراً بعملية الاصلاح. ولأن العلاقات التركية-السورية ليست مجرد علاقات اعتيادية بين جارين جغرافيين، وإنما رافعة من روافع التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط، فمن شأن تزايد حالة التوتر التركي- السوري في الفترة المقبلة – كما هو مرجح - أن تفيض آثاره على الحدود السياسية للبلدين ليطول عموم التوازنات في المنطقة. ظهر التدهور إلى العلن مع المؤتمر الصحافي الذي عقده المراقب العام لحركة "الإخوان المسلمين" في سوريا محمد رياض الشقفة، ومعه القيادي البارز في الحركة فاروق طيفور في اسطنبول قبل أيام قليلة. دعا طيفور في مؤتمره الصحافي تركيا إلى التوسط في الأزمة السورية قبل "إراقة المزيد من الدماء". ودعا الشقفة إلى "التغيير التدريجي في سوريا"، موضحاً أنه لن "يعترض إذا فاز الأسد في انتخابات ديموقراطية، وإذا لم يستجب الأسد لمطلب التغيير فسنواصل التحركات السلمية".


ربما يكون موقف حركة "الإخوان المسلمين" في سوريا من النظام معروفاً للكثيرين، ولا جديد في ذلك، ولكن الجديد في الأمر دلالة المكان التي لا يمكن المتفحص أن يتجاهلها خصوصاً أن تركيا تزن تصريحاتها بميزان من ذهب. لا يمكن تصور أن القياديين البارزين في "الإخوان المسلمين" السوريين قد تسللا إلى تركيا بليل، ثم جمعا الصحافيين خلسة ليعلنا ما تقدم من دون تنسيق مسبق مع القيادة التركية.


من ناحيتها عبرت المواقف الرسمية التركية بوضوح عن تحول حاد في الموقف حيال النظام السوري، حيث تهاتف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مرتين مع الرئيس السوري بشار الأسد ليحثه على إجراء إصلاحات في سوريا، وذلك بعد يوم واحد فقط من خطاب الأسد الأخير الذي وصف الاحتجاجات الشعبية هناك بـ"مؤامرة ذكية" تستهدف سوريا. من ناحيته استخدم الرئيس التركي عبد الله غول لهجة قوية وغير معتادة منه للتعليق على الأحداث في سوريا: "يجب عمل ما يجب فعله، ولا يمكن أن توجد أنظمة مغلقة على ساحل البحر المتوسط. نحن نشارك الرئيس السوري خبرتنا ولا نريد الفوضى في سوريا". وأدلى وزير الخارجية أحمد داود أوغلو بدلوه حين قال: "إن الأمر شبيه بما جرى في أوروبا في التسعينات من القرن الماضي، هؤلاء الذين يقفون في وجه هذه العملية سيلاقون مصاعب أكثر مثل ليبيا. لم تثبت لدينا المؤامرة بأي دليل ونحن ندعم الإصلاحات والدمقرطة في سوريا، ولذلك فالانتقال يجب أن يكون سلمياً".


قبل أسبوع واحد فقط كان لتركيا موقف مغاير، حيث راعت التوفيق بين مصالحها الجيوبوليتيكية في المشرق العربي وموقع سوريا المركزي فيه من ناحية، وبين اتساقها مع مبادئها المعلنة بتأييد الديموقراطية وحقوق الإنسان من ناحية أخرى. وهذا التوفيق في المصالح التي تباعد بينها حركة الاحتجاجات الشعبية أجبرت تركيا على موقف أكثر وضوحاً. يخلق الموقف التركي الجديد أزمة لدمشق التي كانت أكثر الدول العربية تفاعلاً مع التوازنات الإقليمية السائدة في السنوات الخمس الماضية.


كانت دمشق، حتى قبل أسبوع واحد فقط، قد جمعت تناقضات التصادم الإقليمي بين تركيا وإيران ووظفته لمصلحتها؛ فسوريا المتحالفة مع إيران ضمن المحور الإيراني-السوري والبوابة العربية الأكبر للسياسات الإيرانية في المنطقة هي في الوقت نفسه الدولة العربية الأقرب إلى المصالح التركية عما سواها. وهكذا استطاعت سوريا، المتحالفة مع طهران والقريبة إلى قلب وعقل أنقرة، والتي فاوضت إسرائيل بوساطة تركية أن ترجح كفة مشروعات على أخرى في المنطقة، بحيث كان نظامها السياسي "بيضة القبان" في الحراكات الإقليمية القائمة.


وهكذا مثّل النظام السياسي السوري، الذي لا يتمتع بإمكانات اقتصادية ومالية خاصة أو قاعدة شعبية كبيرة، نقطة التوازن لكل القوى غير العربية في المنطقة. بمعنى آخر وظفت دمشق تناقضات النظام الإقليمي لمصلحتها، فمن طريق إيران استطاعت الحفاظ على دور في لبنان، ومن الطريق ذاته وجدت المساعدات العسكرية والاقتصادية لتصليب جبهاتها الداخلية والخارجية. ومن طريق تركيا كسرت دمشق عزلتها عن العالم وفتحت نوافذ للمفاوضات مع إسرائيل، بعد أن فرضت على الغرب التحاور معها وتقديم تنازلات لها في لبنان. ولا يخفى أن الحدود التركية-السورية الطويلة هي حدود لا يمكن في ضوء اختلال القوى الصارخ الدفاع عنها عسكرياً من المنظار السوري، وإنما سياسياً فقط وهو ما فعلته دمشق طوال السنوات الماضية. وفوق ذلك كله أمنت العلاقات المتميزة مع تركيا لسوريا عمقاً تفاوضياً حيال القوى الإقليمية الأخرى: السعودية وإيران وإسرائيل. اهتزاز العلاقات التركية-السورية سيعني اضطراب بوصلة التوازن الإقليمي الذي قاست عليه دمشق اتجاهات حركتها في السنوات الخمس الأخيرة، وهي النتيجة الأخطر على سوريا منذ خروجها من لبنان عام 2005.  


مثّلت سوريا محور الارتكاز للسياسة التركية في المشرق العربي، فمن طريق العلاقات التركية-السورية المتميزة استطاعت تركيا القفز فوق عداوات تاريخية كانت دمشق تقليدياً من حافظ على اشتعال جذوتها حامية طوال النصف الثاني من القرن العشرين. ومن طريق الجغرافيا السورية استطاعت تركيا الإطلال على العراق ولبنان، ومن طريق العلاقات مع سوريا نفذت تركيا إلى علاقات مباشرة وبنجاح كبير مع حركة "حماس" ونجاح أقل مع "حزب الله" اللبناني. باختصار من طريق سوريا عادت تركيا إلى توازنات الإقليم. وهنا بالتحديد يثور السؤال الأهم الآن: ماهي الدوافع والحسابات التركية لتغيير موقفها تجاه النظام السوري مع كل الميزات التي يمنحها الموقع الجغرافي السوري للدور التركي في المنطقة؟ الإجابة تتوزع على مستويين اثنين إقليمي وسوري.


يتمثل المستوى الأول في التغير الحاد في التوازن الإقليمي بعد الثورات العربية المتتابعة، فالتغيير في مصر – على الرغم من أنه لم يستقر على حال بعد- جعل التقسيمة الاستاتيكية التي سادت منذ 2003 بين "محور الممانعة" وما سمي "محور الاعتدال" أمراً من الماضي. وهنا بالتحديد اهتزت المكانة السورية باعتبارها "بيضة قبان" بين إيران و"محور الاعتدال" وتركيا. كما أن الدخول السعودي القوي على خط العلاقات التركية-السورية، بهدف كسر الرافعة الإيرانية-السورية في المشرق، توسل لبلوغ غايته أن يفتح الطريق أمام تركيا إلى أسواق وعواصم الخليج بمباركة رسمية سعودية لأول مرة (لاحظ هنا توقيت زيارة وزير الخارجية سعود الفيصل إلى تركيا قبل أسبوع أيضاً).


وتجسد العامل الثاني المحلي البعد في تقديرات تركية للموقف في سوريا على أساس أنها تتصاعد بل مرشحة للتصاعد في الفترة المقبلة. كما تنطلق هذه التقديرات من أرضية انطلاقية مفادها اعتقاد تركي بأن حركة "الإخوان المسلمين" لها دور في التظاهرات الجارية في سوريا، وينبني على هذا التقدير آخر إضافي يتلخص في أن أنقره تملك قدرات كامنة في التأثير على "الإخوان المسلمين" في سوريا، وبالتالي فانتقال السلطة –إن حدث- لن يؤذي المصالح التركية في المشرق، بل يضمن إدامتها بسبب وهج نموذجها السياسي. ولا يخفى أن تركيا نجحت، بفضل هذا النموذج السياسي الجذاب، في تولي دور المرجعية الفكرية لغالبية حركات الإسلام السياسي المعتدل في عموم المنطقة. وبالتالي لن يكون الحلفاء المحتملون موزعين للتوازن بين إيران وتركيا – مثل الحال الآن.


إذا عطفنا على كل ذلك، خبر مصادرة تركيا أسلحة كانت على متن طائرة إيرانية توقفت ترانزيت قبل توجهها إلى حلب في سوريا في 21 أذار الماضي، لأن ذلك يكسر قرارات الحظر على إيران بموجب قرارات مجلس الأمن، وإبلاغ الأمم المتحدة في نيويورك بذلك لرأينا التغير في الموقف التركي حيال سوريا في أوضح صوره. صحيح أن ما تم مصادرته كان ذخيرة محدودة العدد لأسلحة متوسطة وليست ثقيلة، ولكن الرسالة وصلت إلى كل الأطراف المعنية. وربما حتى ما جعل الرسالة السياسية "خفيفة نظيفة" أن ما تم مصادرته لا يشكل ضربة عسكرية لا للجهة المرسلة ولا للجهة المتلقية، وإنما خبطة إعلامية وسياسية لا يمكن إنكارها. وفي النهاية ومع تراجع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط وقرب الانسحاب من العراق ومع تغير الأوزان النسبية في الشرق الأوسط وإعادة توزيع الأوراق الإقليمية بفعل الثورات العربية، لم تعد التوازنات الماضية بين تركيا وإيران عبر البوابة السورية قائمة، وبالتالي قد تفتح التغييرات في سوريا – إن حدثت - الطريق واسعاً أمام عودة تركية أكثر اتساعاً وعمقاً إلى المنطقة.


وهذه العودة – حسب التقدير التركي المفترض - يبدو أنها لم تعد ترتبط بالعلاقات مع النظام السوري، بل ربما بالابتعاد عنه والافتراق عن طريقه. وإذا مددنا هذا التحليل على استقامته وكان ذلك بالفعل التقدير التركي للموقف، سيعني ذلك بالمختصر المفيد أن العلاقات التركية - السورية مرشحة للتدهور أكثر في المرحلة المقبلة. وبالمعنى الأوسع سيترجم ذلك بتغير في طبيعة العلاقات التركية - الإيرانية التي ستشهد بالمنطق تدهوراً مماثلاً في المستقبل، وربما ما ينقص لإعلان ذلك المبرر الإعلامي فقط!

 

(  مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية-القاهرة.)    



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة