الأثنين ٣٠ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: نيسان ١٠, ٢٠١٦
المصدر: جريدة الحياة
مراجعات «الإخوان المسلمين» و عقليّة الـ«غيتو» - وحيد عبد المجيد
متأخراً بدأ حديث المراجعة في بعض أوساط جماعة «الإخوان المسلمين»، التي يقترب عمرها من قرن كامل. لم يجد قادة هذه الجماعة في مـراحلها المتواليـة مـا يـدفع إلى مراجعة مسلمات قامت عليها، وظلت أسيرتها. بقيت هذه المراجعة مستعصية على مدى أكثر من عامين بعد إسقاط سلطتها في مصر. فشلت في الحفاظ على هذه السلطة لأكثر من عام واحد. تحوّلت من تنظيم حاكم إلى جماعة مطارَدة صارت موصومة بأنها «إرهابية»، بعدما كان أقصى ما وُصفت به، في حملات الهجاء ضدها، أنها «مُنحلّة» أو «محظورة».

ومع ذلك، مرّ أكثر من عامين على ما يعتبره «الإخوان» في خطابهم أكبر محنة في تاريخهم، قبل أن يبدأ قليل من قادتهم في الحديث باستحياء عن مراجعة تهدف إلى الفصل بين الدعوة والسياسة. وهذا هدف صغير، بل متناهي الصغر، قياساً الى المحنة التي يرون هم أنفسهم أنها الأكبر.

ربما يكون بدء الحديث عن الحاجة إلى مراجعة خطوة إيجابية في جماعة ظلّت تنكر أهميتها، وتستخف بمن دعوا إليها، سواء كانوا أعضاء سابقين فيها، أو قوى سياسية أخرى، أو خبراء ومحللين نبهوا منذ التسعينات إلى أنها صارت في حالة شيخوخة.

غير أن هذا الحديث الذي بدأ على استحياء، ينطوي على اختزال أزمة الجماعة في واحد فقط من جوانبها قلّت أهمية الآن. كان التداخل بين الدعوة والسياسة من أهم عوامل اختلال بنية الجماعة في عقودها الأولى. لكن أهميته أخذت تتراجع تدريجياً كلما ازداد انغماس الجماعة في السياسة. وبمرور الوقت، صار جمود بنية تنظيم الجماعة وانغلاقها واستعصاؤها على التطور والانفتاح، مصدر الخلل الرئيس الذي ظهرت آثاره الكارثية واضحة عقب ثورة 25 كانون الثاني (يناير).

لم يكن التداخل بين الدعوة والسياسة السبب في فشل قيادة الجماعة في استيعاب أبعاد التفاعلات التي ترتبت على هذه الثورة، والتعاطي معها. لم تنقلب قيادة الجماعة على معظم تعهداتها التي التزمتها، وفي مقدمها عدم الترشح في أول انتخابات رئاسية بعد الثورة، بسبب هذا التداخل. ولم يكن الخلط بين السياسة والدعوة ما أدى إلى عجز قيادة الجماعة، حين وصلت إلى السلطة في حزيران (يونيو) 2012، عن إدراك استحالة الفوز في معركة شبه صفرية ضد غالبية القوى السياسية الأخرى، وبعض أجهزة السلطة العميقة.

كان هذا كلّه، وغيره، تعبيراً عن تطرف سياسي حاد، وليس عن تطرف ديني بالمعنى التقليدي الذي قد يفيد الفصل بين السياسة والدعوة في معالجته. لذلك، لا يكفي الإقرار بأهمية هذا الفصل الآن، ما لم يقترن بإصلاح الخلل الأكثر جوهرية المترتب على الانغلاق التنظيمي الذي يتعلّق بالموقف تجاه الآخر، كل آخر وليس الآخر الديني فقط .

وقد نتج التطرف السياسي من جمود تنظيم الجماعة وانغلاقه على نفسه. وصار استمرار الخلط بين السياسي والدعوي، بعدما أصبح أولهما الأساس وبات الثاني ثانوياً، نتيجةً وليس سبباً لهذا الجمود. وحين ينغلق تنظيم، أي تنظيم، على نفسه إلى هذا الحد، يشعر بالتمايز ثم بالتميّز وربما بالاستعلاء، ومن ثم عدم الثقة بغير أعضائه.

وتفيد تجارب مقارنة بأن مثل هذا الجمود في بنية التنظيم يصبح أخطر حين يكون العقل السياسي ضعيفاً أو مفقوداً، فلا يجد هذا التنظيم ما يضبط حركته ويكبح اندفاعه في لحظات معينة. ويشتد الخطر عندما تتنامى قوة التنظيم على الأرض فيما يضعف العقل الذي يحدّد اتجاهه ويحسب خطواته.

وهذا مصدر الخلل الرئيس الراهن في جماعة «الإخوان». تراكمت عوامل هذا الخلل منذ الثمانينات، فتزامن تقريباً تنامي قوة التنظيم مع هيمنة «أوليغاركية» جديدة عليه مكوّنة من بقايا أعضاء «النظام الخاص»، وعلى رأسهم مصطفى مشهور، ومن شاركوا في إنشاء التنظيم الذي نُسبت قيادته إلى سيد قطب عام 1965، وفي مقدمهم محمد بديع ومحمود عزت. وجذبت هذه «الأوليغاركية» الشخصيات القوية مالياً وتنظيمياً في الجماعة، وعلى رأسها خيرت الشاطر، وتمكنت من الإمساك بمفاصل الجماعة، والسيطرة على أطرافها، وخلقت أوضاعاً فرضت على معظم الإصلاحيين التكيف معها والاندماج فيها، بخاصة بعد إقصاء أبرزهم من المستوى القيادي (مثل عبدالمنعم أبو الفتوح ومحمد حبيب) وتهميش بعض آخر منهم.

واعتمدت هذه «الأوليغاركية» في إمساكها بمفاصل الجماعة، على تدعيم قيم الولاء للقيادة والطاعة التامة والارتباط الحديدي بالتنظيم الذي صار «صنماً» أكثر «قدسية» من المرجعية الدينية.

هكذا اقترن تنامي دور التنظيم في السنوات السابقة على ثورة يناير بازدياد انغلاقه على نفسه، وتحوّله إلى ما يشبه مجتمعاً داخل المجتمع يعيش بذهنية تشبه الـ «غيتو». وفي هذا المجتمع المغلق، يخصص أكثر أعضاء التنظيم معظم وقتهم له بدءاً من الوحدة الأولى فيه وهي «الأسرة»، ويتعاملون مع بعضهم البعض أكثر مما يتعاطون مع غيرهم، بمن في ذلك أُسرهم الطبيعية وعائلاتهم، ويتزاوجون من بعضهم البعض، ويعمل عدد متزايد منهم في شركات ومشاريع يملكها بعض قادتهم أو متعاطفون معهم، أو في جمعيات أسّسوها، وقد بلغ العدد الذي حصرته الجهات الرسمية منذ أواخر 2013، بغرض غلقه، ما يقرب من ألف وخمسمئة.

وتنظيم هذه حاله لا يستطيع أن يكون «جزءاً» في نظام سياسي تعددي، ويسعى بالضرورة إلى أن يكون هو «الكل» عبر الاستفراد والهيمنة على غيره، كما حدث منذ دخول الرئيس الأسبق محمد مرسي قصر الاتحادية في منتصف 2012.

لذلك، تتوقف جدوى أية مراجعة على إدراك أخطار نمط التفكير، الذي أنتجه انغلاق تنظيم «الإخوان» على نفسه في العقود الثلاثة الأخيرة، وتحوّله إلى ما يشبه الـ «غيتو». غير أن هذا الإدراك لم يصل بعد إلى المستويات القيادية في الجماعة، على رغم وجود أصوات تدل عليه في مستويات أدنى.

وإذا أدرك قادة «الإخوان» في الصف الأول أن عقلية الـ «غيتو» هي التي قادتهم إلى أكبر محنة في تاريخهم، وأنها نتيجة انغلاق تنظيمي شديد، عندها سيكون ممكناً التطلع إلى مراجعة جادة تهدف إلى تصحيح الاختلالات الأكثر جوهرية على نحو قد يتيح بداية جديدة تقوم على نظرة مختلفة تجاه الآخر السياسي والفكري وليس الديني فقط .


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة