في السنة السادسة من عمر الانتفاضات العربية، يظهر أن منسوب المشاعر السلبية، الدائرة على اليأس والإحباط والتخبط في العبث والمتاهة الأهليين، يفوق منسوب المشاعر الإيجابية القائمة على «تفاؤل الإرادة» وكبرياء الثبات على الأمل. فسنوات الجمر والرماد التي عاشتها، ولا تزال، بلدان الربيع العربي تبدو، في محصلة مسارات معقدة ومتباينة، انقلاباً عنيفاً على سلطات استئثارية وعنيفة لكنه لا يؤسس لشيء. وهذه مفارقة كبرى ينبغي التوقف عندها.
لقد سبق لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أن قلّل من قيمة «الثورات» التي تهدف حصراً إلى إسقاط الحاكم واستبداله لأنه انتهك وتجاوز الحدود المفترضة تقليدياً للسلطة. في رأي فيبر، هذا النوع من الثورات يظل أقرب إلى الانتفاضات التقليدية ولا يمكن حمله على معنى الثورة المؤسسة لنظام جديد على كافة المستويات. مع أن تشخيص فيبر يصح في خطوطه العريضة على وجوه بارزة في الانتفاضات العربية، فإننا نفضّل عدم الركون إلى صلاحيته المرجعية.
ذلك أن سياقات الانتفاض العربي أكثر تعقيداً. فما أخرجته البيئات الاجتماعية المتظلمة من أحشائها ومن طريق وثبة هائلة لكسر الخوف وفروض الطاعة والخضوع لا ينتظم في سياق تاريخي واحد ولا يأتلف حول تصور غالب عن مدار الشرعية التي تحتاجها كل سلطة لتثبيت علاقات السيطرة. وليس بلا دلالة أن ينتشر، منذ البداية وداخل ميدان المنتفضين، الحديث عن «الثورات المضادة» وعن استيلاء جماعات معينة، وطارئة، على الثورة. وكان هذا الحديث يصدر في معظم الأحيان، ولا يزال، عن أوساط الليبراليين واليساريين حيال مختلف تعبيرات وظواهر «الإسلام السياسي».
وهذا ما أجاز للبعض أن يرى أن شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» يحتمل التعديل مع الصعود الصارخ والمدوي للحركات الإسلامية في كل مكان تقريباً، بحيث يصبح «الشعب يريد الإسلام السياسي». ويصبح هذا الشعار، في صيغة أكثر تشاؤماً، واستعلاء نخبوياً أيضاً: الشعب يريد الحرب الأهلية.
لا حاجة للقول أنه أجريت محاولات للتوليف بين الرهانات المختلفة على الثورة. ولعبت أثقال التاريخ الوطني دوراً لا يستهان به في ترجيح وجهة على أخرى. نجح هذا التوليف جزئياً في تونس التي تواجه حالياً خطر السلفيات الجهادية القادمة من ليبيا أو من بيئات تونسية مهملة ومهمشة. في مصر، استندت المؤسسة العسكرية على الثقل التاريخي للدولة المركزية لإقصاء «الإخوان المســـلمين» باعتـــبارهم حملة مشروع اســـتبداد ديني يخشى أن يتحول إلى نزاع أهلي مفتوح. أما أحوال ليبيا وسورية واليمن، فباتت مسرحاً لانفجارات أهلية وثارات محلية. ولا نعلم كيف يمكن التوصل إلى تسوية تضع، وسط التذرر المتزايد، حداً لمقولة «يا قاتل يا مقتول»، وهي مقولة ينتصر فيها القتل بالدرجة الأولى.
سنذهب أبعد من ذلك. سنتساءل عن المحرك العميق لهذه الانتفاضات في ما يتعدّى لعبة الأهواء والجموحات الأهلية والرهانات الإقليمية والدولية التي تختلط فيها اعتبارات المصالح والنفوذ. وهنا سنقول شيئاً قد يصدم البعض. سنقول إن فكرة المساواة ذات المرجعية الحداثية هي المحرك الفعلي والجوفي للانتفاضات. وفي هذا المعنى، يمكن القول إن الثورات كمشروع لقلب التراتبيات الاجتماعية ولتأسيس شرعيات للسلطة والسيطرة تختلف عن الشرعيات التقليدية التي حصلت في حقبة الاستقلال الوطني وما ترتب عليه من صعود للقوى والمؤسسات الحاضنة للسيادة الوطنية، خصوصاً في الخمسينات والستينات. وينطبق هذا تحديداً على البلدان التي اعتمدت وتبنت، بطريقة معينة، النظام الجمهوري. ويحضّنا هذا على مراجعة التحولات الاجتـــماعية والثقافية ووضعها في منظار تاريخي يخص كل بلد ويرقى وفق ترسيمات وإيقاعات تحديثية مختلفة إلى قرنين من الزمن في أقل تقدير. ولا يمكننا، في منظار التاريخ الحديث هذا، أن نتجاهل دور التوسع والاستعمار الغربيين في إدخال مصادر مستجدة للشرعية. هذا بغض النظر عن رأينا في طبيعة التجربة الاستعمارية وقيمة حمولاتها التحديثية. وعندما خاطب بونابرت المصريين قبل قرنين ونيف طالباً من المماليك إبراز التفويض الذي يمنحهم شرعية تملك الأرض المصرية والتصرف بثرواتها، لم يفعل ذلك على سبيل المناورة الظرفية والحربية فحسب. فهو وحملته العتيدة المستندة إلى مبادئ الثورة الفرنسية في الحرية والإخاء والمساواة كانا يدشنان حقبة جديدة قائمة على التوسع والتدخل الأوروبيين للسيطرة على المفاصل الاستراتيجية في العالم. وكان ذلك إيذاناً مبكراً بنشأة مصدر من مصادر السلطة الداخلية في العالم العثماني وغيره، وهو مصدر تحول مع الوقت ومع تعاظم مفاعيل التوسع والتغلغل وقولبة المجتمعات إلى أحد عناصر الشرعية السياسية للسلطة.
ولعبت الإصلاحات العثمانية المعروفة باسم «التنظيمات» دوراً في تفعيل فكرة المساواة بين رعايا السلطنة وداخل كل ملّة من الملل. وتزايد دور ومكانة الأعيان المحليين والذوات وأبناء العائلات النافذة المستندين إلى شرعيات تقليدية وراحوا يكتشفون تدريجياً، في إطار العلاقات المضطربة والمتقلبة بين السلطنة المتهالكة والقوى الأوروبية النافذة، إمكانية انتقالهم إلى لعب دور سياسي داخل كيانات وطنية ترسم حدودها لعبة التنافس بين القوى الأوروبية.
هؤلاء الأعيان كانوا عموماً ليبراليين وديموقراطيين على طريقتهم، لكنهم بالغوا في الاطمئنان إلى ثبات شرعية سلطتهم ونفوذهم. فافترضوا أن الشرعية الوطنية امتداد طبيعي لنفوذهم المحلي أو أنها صيغة محاصصة وتسوية بين زعامات أهلية محلية. والحال أن فكرة المساواة كانت تشق طريقها في بيئات المتعلمين في الأرياف وفي أوساط الفئات الدنيا في المدن. وليس من قبيل المصادفة أن يكون الجيش هو المختبر الأكبر لجيَشان التصورات والأفكار الحديثة. فهو الإطار الذي تحقق فيه شيئاً فشيئاً أكبر قدر من الاندماج الاجتماعي والوطني، ولم يكن ذلك من دون أخطار تحوله إلى عصبية مهنية تتطلع إلى دور سياسي، كما يستفاد من التجربة التركية والأتاتوركية.
فالحسابات الضيقة للزعامات التقليدية عززت لدى العسكر الشعور بأنهم قادرون على تشكيل القوة شبه الوحيدة التي تتجاوز العصبيات الأهلية وأقاليمها المحلية وتتعامل مع الكيان الوطني بوصفه إقليماً متصلاً لا يتجزأ. تجارب الناصرية والبعث وما يناظرهما لا تشذ عن هذا الإطار.
إن صفة «التغوّل» الشائعة، والصائبة، لتوصيف النخبة الأمنية الحاكمة، تشي بمصادرة النظام الجمهوري وتشويه فكرة المساواة. وعلى درب التشوهات يسير آخرون كثر. |