|
ما يحصل في العالم العربي استثنائي وغير مسبوق. فالموجة الثورية التي أطاحت نظامَين حتى الآن وزعزعزت الاستاتيكو في أنظمة أخرى، تجتاح بقوّة الشعوب العربية، بشبابها وشيبها. فيما كانت السياسة العربية تؤطَّر في معظم الأحيان بمقاربة عنوانها "ما التالي؟" في إشارة إلى فظائع الحرب (العراق، فلسطين...)، وانتهاكات حقوق الإنسان، وتقسيم الدول (مثل السودان)، تغيّر السؤال دراماتيكياً ليصبح "من التالي؟" والمرشّحون كثر. فهل لبنان واحد منهم؟
في ضوء الأحداث الأخيرة في العالم العربي، وصف العديد من السياسيين والمعلّقين اللبنانيين باعتزاز الحركات الثورية العربية بأنها امتداد لانتفاضة آذار 2005 في بيروت التي حصلت عقب الاغتيال الدراماتيكي لرئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وعُرِفت بـ"انتفاضة الاستقلال". يعتبرون أن "ربيع بيروت" 2005 ألهم الشبّان العرب كي يثوروا ضد القمع وينزلوا إلى الشارع لاسترداد حرّيتهم المسلوبة. بيد أن "انتفاضة 05" في لبنان، ولأسباب عدّة، ليست حتى ثورة جنينية. بل إنها نقيض ما يُفترَض أن تكون عليه الثورة.
أولاً، أُطلِقت على الانتفاضة في بيروت تسمية مناسبة منذ البداية هي "انتفاضة الاستقلال". ولم تُستخدَم كلمة "ثورة" إلا بعدما أثنت الإدارة الأميركية بثقة على اللبنانيين ودعمت "ثورة الأرز" (في مؤتمر صحافي عقدته مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية بولا دوبريانسكي في 28 شباط). وخلافاً لما نشهده من غياب للتأثير الغربي في الثورات التي تندلع في العالم العربي، أبدت الولايات المتحدة اهتماماً مباشراً بـ"ثورة الأرز" وقدّمت لها دعماً مباشراً. لم تُطلَق في لبنان دعوات لتغيير النظام أو اقتراح مشروع إصلاحي. وكان المحرِّك الأساسي للأحداث معارضة الوجود السوري في لبنان والمطالبة بكشف الحقيقة في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. وكان الهدف الجامع خلف التحرّك انسحاب القوات السورية الموجودة في البلاد منذ 1975-1976.
للحركات الثورية العربية الراهنة هدف واضح: إطاحة نظام قمعي (مصر، ليبيا، اليمن...) أو على الأقل ممارسة ضغوط عليه لإجراء تغييرات جذرية في سياساته الداخلية (الأردن...). تستهدف المجتمعات أنظمتها بعد عقود من القمع المستمرّ للمجتمع على يد الدولة. عام 2005، لم يتظاهر اللبنانيون ضد نظامهم، بل تظاهروا معه (مع جزء منه على الأقل) ضد نظام آخر (النظام السوري). كان "تيار المستقبل" و"الحزب التقدّمي الاشتراكي" اللذان تولّيا في شكل أساسي قيادة التحرّكات عام 2005، جزءاً من كل الحكومات تقريباً التي تشكّلت بعد الحرب في لبنان منذ عام 1990.
انطبعت السياسة العربية بـ"شخصنة" السلطة، وهكذا لم تسعَ التحرّكات الأخيرة إلى تغيير النظام وحسب إنما أصرّت أيضاً على إسقاط رأس النظام. صبّ الشعب جام غضبه وكرهه على صور حسني مبارك وزين العابدين بن علي، مما يضفي على تلك التحرّكات بعداً شديد الشخصنة. وفي لبنان، تمت شخصنة الاحتجاجات أيضاً. لكنها كانت في شكل أساسي لتأييد "الشهيد الرئيس" الحريري والدفاع عنه، في حين أن الاحتجاجات الحالية هي ضد الشخص "القاتل والفاسد" سواء كان علي عبدالله صالح (اليمن) أو معمر القذافي (ليبيا).
صحيح أن التحرّكات في 2005 و2011 بدت متشابهة: نُظِّمت الاحتجاجات في الساحات الأساسية، أي ساحة الشهداء في بيروت وميدان التحرير في القاهرة. بيد أن أوجه التشابه تنتهي عند هذا الحد. فعلى النقيض من ثورات اليوم، أديرت تظاهرات 2005 باحترافية متطوِّرة. فقد تولّت وكالة الإعلانات "ساتشي أند ساتشي" تصميم اللافتات والشعارات. أما المصريون فبالكاد تمكّنوا من كتابة شعاراتهم وعباراتهم على ألواح من الكرتون.
وماذا عن قيادة هذه التحرّكات؟ كان هناك غياب للقيادة الواضحة في التحرّك الثوري في مصر. في الواقع، كان من النادر رؤية شخص يعتلي المنبر ليخطب في الجماهير في ميدان التحرير خلال تلك الأيام المصيرية. في المقابل، في ساحة الشهداء في وسط بيروت، حصل كل سياسيّي 14 آذار تقريباً على فرصة اعتلاء المنبر وإلقاء كلمة في صيغة مذهلة للتناوب على الخطابة. ونتيجةً لذلك، لم يبرز في لبنان "قادة شباب" كانوا ليتمكّنوا ربما من توليد دينامية سياسية جدية في البلاد. بل أخذ أعضاء في التيارَين السياسيين الأكثر سيطرة – قطاع الشباب في "تيار المستقبل" و"الحزب التقدّمي الاشتراكي" اللذين لم يكونا قد تحرّكا من قبل ضد الوجود السوري في لبنان (1990-2005) – على عاتقهم التكلّم باسم الشباب الذين كانوا ناشطين في معارضة الوجود السوري في لبنان، مما أدّى إلى تهميشهم. أما في مصر فقد برز العديد من الشبّان قادةً للثورة، ولا سيما من خلال مساحات تواصل افتراضية مثل "فايسبوك" و"تويتر"، واعتُبِروا طليعيين في تحطيم قبضة الخوف التي كانت تمسك بالشعب المصري (المدوّن وائل غنيم هو المثل الأبرز في مصر).
في ضوء هذه الاختلافات، هل يمكننا القول بأن لبنان لا يزال بحاجة إلى ثورته الخاصة؟ نعم، إنه بحاجة إليها، لكن أي نوع من الثورات؟ ضد من ولأجل ماذا؟ لمرحلة طويلة، اعتُبِر لبنان قبل الحرب "حالة خاصّة" في دراسة نموذج الدولة العربية. في الواقع، ترسّخت سمعة الدولة العربية المعروفة بـ"تصلّبها وقسوتها"، وذلك من خلال قمع مجتمعاتها والقضاء على مختلف أشكال الاحتجاج ضد شرعيّتها الهشّة من طريق اللجوء إلى عنف الدولة والإكراه وطرد المفكّرين أو سجنهم. أما في لبنان، فكانت النظرة في شكل عام أن الجيش و/أو الأجهزة الأمنية محايدة في تعاطيها مع المجتمع، وتؤدّي تالياً دوراً أساسياً في صوغ الطبيعة غير العنيفة للدولة. لطالما تمتّع لبنان بمجتمع مدني حي ونابض، وانتخابات منتظمة، فضلاً عن حرية التعبير وحرية الصحافة، إلخ. لكن تبيّن أنها غير كافية لإرساء نظام ديموقراطي في البلاد.
في مرحلة ما بعد الحرب، عرفت الحياة السياسية في لبنان نوعاً من السلطوية المخفَّفة وغير المباشرة حيث كانت الانتخابات مجرّد حدث اجتماعي إذ كانت أسماء النواب، ما عدا حفنة قليلة من المقاعد النيابية الـ 128، تُعرَف مسبقاً. احتكرت سوريا الحياة السياسية اللبنانية بموافقة الأوليغاركية الطائفية الحاكمة في البلاد.
في مرحلة ما بعد 2005، تغيّرت الحياة السياسية قليلاً، بفضل "انتفاضة الاستقلال" التي أدّت في شكل أساسي إلى تكوّن رأي عام سياسي. بيد أن النقاش العام لا يزال أسير مسائل أوسع نطاقاً، ولا سيما موضوع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان من جهة وسلاح "حزب الله" من جهة أخرى. من شأن الحديث عن ثورة ضد أي من المسألتَين أن يُذكي نار الحرب الأهلية في البلاد. وفي لبنان، من شأن عنف مشابه لذاك الذي تشهده ليبيا احتجاجاً على قمع النظام للمجتمع، أن يتحوّل حكماً عنفاً يمارسه جزء من المجتمع ضد جزء آخر من المجتمع نفسه. هل من المستحيل إذاً حدوث ثورة في لبنان؟ قيل إن النقاش السياسي في لبنان متجذّر في الاعتبارات الطائفية، مما يجعل كل مظاهر الحياة الديموقراطية عرضة للاصطفافات المذهبية. عام 2010، أدّت مسائل مثل منح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حقوقاً مدنية إلى زعزعة خطوط التقسيم السياسي الأساسي بين 8 آذار (بقيادة "حزب الله" الشيعي و"التيار الوطني الحر" المسيحي) و14 آذار (بقيادة "تيار المستقبل" السنّي وحزبَي "القوات اللبنانية" و"الكتائب" المسيحيَّين)، وأعادت صوغه انطلاقاً من اعتبارات مذهبية. وأحدث اقتراح خفض سن الاقتراع من 21 إلى 18 عاماً تأثيرات مماثلة نظراً إلى أن معظم الناخبين في الفئة العمرية 18-21 هم من الشيعة، الأمر الذي من شأنه أن يؤثّر في التوازن الديموغرافي الحالي بين المذاهب الدينية. وتمكّنت القيادات السياسية على مر السنين من ربط اهتمامات ناخبيها بهوياتهم الدينية. فالثورة ضد سلاح "حزب الله" تُفسَّر بأنها تستهدف الطائفة الشيعية، وإسقاط رئيس الجمهورية يُعتبَر استهدافاً للطائفة المارونية (أي التحرّك ضد الرئيس السابق لحود في 2005-2006). وهكذا سرعان ما تنحرف أي اندفاعة في اتّجاه الثورة (من أي نوع كانت) عن مسارها وتستولي عليها المجموعات السياسية الطائفية التي تمتصّها وتستوعبها فتُهدّد تقدّمها.
يبدو إذاً أن أي نوع من التحوّل الثوري في لبنان هو قضية خاسرة قبل أن يبدأ. لكن السبب ليس أن "حزب الله" هو قوة لا تُقهَر، أو أن السياسات الاقتصادية للحكومات تضمن استقرار البلاد. في الواقع، المسائل المتعلّقة بالحاجات والاهتمامات الاقتصادية-الاجتماعية اليومية للبنانيين محجوبة بالكامل خلف الاستقطاب في الحياة السياسية الذي تسبّب بشلل المؤسسات. إحدى الاستراتيجيات الأنجح للأوليغاركية السياسية اللبنانية هي قدرتها على الإبقاء على تحالف قوي مع المجتمع المدني، حيث إن المجتمع السياسي هو في الوقت نفسه جزء من المجتمع المدني. وقد اتّسمت سياسات ما بعد الحرب الأهلية بثنائية المقاومة (سلاح "حزب الله") والاقتصاد (إعادة الإعمار). وهكذا تُعتبَر الثورة على السياسات الاقتصادية-الاجتماعية على الفور هجوماً على إرث الحريري، والثورة ضد السلاح هجوماً على المقاومة.
من المعروف أن اللبنانيين يعانون من انتشار المحسوبيات والفساد بنسبة عالية، ومن تدهور الخدمات، مثل الكهرباء والمياه، وكذلك من الكلفة الباهظة للاتصالات السلكية واللاسلكية، ناهيك عن الارتفاع الشديد في أسعار العقارات في الآونة الأخيرة. هل يمكن الوصول إلى حل من خلال التمرّد على النظام السياسي الطائفي؟ ربما. لكن لا شيء يمنع أن تنضم مجموعة سياسية ما تمثّل بكل وضوح طائفة دينية معيّنة، إلى التحرّك بهدف تحدّي مجموعة سياسية منافسة. ربما ينبغي على اللبنانيين أن يُركِّزوا أقل على التمرّد على نظامهم السياسي ويتحوّلوا أكثر نحو التركيز على أسس الأوليغاركية (النخبة السياسية). وانطلاقاً من التعلّم من دروس الشوائب والعثرات التي عرفتها "انتفاضة الاستقلال 2005"، يجب أن تبدأ أي محاولة يقوم بها اللبنانيون في المستقبل لتغيير أوضاعهم بالدعوة إلى تقسيم واضح لاستبدال الحدود المشوَّشة بين الأوليغاركية السياسية والمجتمع المدني. السبيل الوحيد ليصبح التحوّل الثوري، أي تحوّل ثوري، ممكناً هو أن يُستبدَل الائتلاف العمودي بين الأوليغاركية والمجتمع (جزء من المجتمع) والمستند إلى الانتماء المذهبي، بائتلاف أفقي بين المواطنين أنفسهم.
في الآونة الأخيرة، أُطلِقت دعوات تطالب بتشريع الزواج المدني في لبنان كبديل من الزواج الديني بين أبناء الدين الواحد والذي هو الصيغة الوحيدة المتوافرة الآن. يمكن مقارنة تأييد الزواج المدني في لبنان بمعارضة معمر القذافي الأب إنما في الوقت نفسه قبول ابنه سيف، أو رفض حسني مبارك وقبول جمال. يجب إعادة النظر في المنظومة ككل، وليس في عناصر منفصلة في النظام السياسي. في الفترة الاخيرة، أطلقت مجموعة من الشبّان اللبنانيين حملة لإسقاط النظام الطائفي، مستلهمةً تحرّكها هذا من سقوط الأنظمة في بلدان عربية أخرى. كي ينجح هذا التحرّك، يجب أن ينفصل عن الأوليغاركية ويحمي نفسه منها، وعليه توجيه أهدافه ضدّها. وحتى يحين ذلك اليوم، على اللبنانيين أن يكتفوا بالنظر إلى الثورات العربية والإعجاب بها عن بعد، لأنه يبدو أن بلدهم سيكون على الأرجح آخر نظام محافظ في المنطقة.
|