فضلاً عن كونه لبنة في الملكوت الإلهي، يبقى الإنسان عضواً في الأسرة البشرية، الموعودة برسالة الاستخلاف الأرضي، والموكولة إليها مهمتا الحضارة والعمران، وكلها مهمات لا يمكن تحقيقها إلا عبر أخوة إنسانية حقيقية. وكما أن الله مطلَق اعتقادي، يصبح الإنسان مطلقاً أخلاقياً، فمن يؤمن بالله حقاً لا بد أن يحب الإنسان فعلاً، ومن يكره الإنسان فعلاً إنما يتنكر لله حقاً.
الأمر هنا يشبه قضية رياضية، يمكن إخضاعها لمنطق الحركة الدائرية على المحورين / الإحداثيين: الرأسي الذي يمثل الله ذروة ارتفاعه، والأفقي الذي يمثل الإنسان ذروة امتداده.
الإحـــداثي الرأسي (ص) يعكس العلاقة بين الله والإنسان، على قاعدة الضمير الذي يربط العبد بالرب بأواصــر الإيمان والعبادة من جهة، وملكات العناية والرحمة مـــن جـهة أخرى، وهي علاقة تبلغ من الصدق والحرية مبلغاً لا يدانى، ترسم معالمه النصوص التأسيسية في الشرائع التوحيدية، كما يمكن تلمسها في مفهوم الكمال الإلهي نفسه، فلا كمال من دون رحمة وغفران، ولذا كانت الصفتان من أسماء الله الحسنى. وعلى رغم أن ثمة صفات أخرى تعادلهما تشي بالجبروت والقهر، تبقى الأخيرة صفات ثانوية مضافة للصفات الأولية في الذات الإلهية. ففي القرآن الكريم، مثلا، تبقى الرحمة دائمة وأبدية، فيما العذاب موقوت بخطايا العبد. وهكذا تعمل صفات القهر دور السلب في جدل الحركة التاريخية. فالسلب هنا ليس إلا تحدياً عارضاً يعوق انسياب حركة التاريخ، يعترض مسارها بغية إحداث تعديلات مطلوبة له، أما صفات الرحمة فتمثل دور الإيجاب، أي المسار الرئيس لهذا التاريخ، فهو الحركة ذاتها.
أما الإحداثي الأفقي (س) فيعكس العلاقة بين الإنسان والإنسان، تجسيداً لعهد الاستخلاف، الذي يتجلى قرآنياً في الخطاب الإلهي إلى عموم البشر (الناس) فيما يخاطب المؤمنين به باعتبارهم (المسلمين). ولأن غاية العهد هي العمران وما يعنيه من تمدين وتقدم، فهو لم يكن ليتأسس إلا على أخوة بشرية كاملة، فمن غير المعقول أن يقوم البعض بمهمة العمران، وأن يتفرغ البعض الآخر للعدوان عليه وإزالة ما يقيمه من قواعد أو يرسّخه من أصول. ومن ثم كانت المحبة هي الصمغ الضروري للعلاقة بين البشر، بغض النظر عن نوع الإيمان أو وجوده من الأصل، ومن يرفض الأخوة البشرية إنما يندرج في سياقين لا ثالث لهما: فإما أن يكون عبثياً، وإما أنه يتصور الإرادة الإلهية عبثية، تطلب العمران، ولا ترسّخ قيمه. ولأن العبث يمثل نقصاً ينال من الكمال الإلهي، يمكن اعتبار الحب أمراً إلهياً، وكل نص ديني يقول عكس ذلك إما أنه موضوع أو محرف، أو أنه خضع لتأويل سلبي.
في هذا السياق تتجلى العلاقة التي نرمي إلى تأسيسها بين الله والإنسان، حيث يخضع الإحداثي الصادي للإحداثي السيني، فكل سلوك إنساني يؤلم الآخرين أو يهدر العمران، لا يمكن أن يصدر عن أمر الله، لأنه شر أخلاقي والله لا يأمر بشرّ قط، بل هو نتاج الضعف الإنساني. وقد يقبل الله ضعف الإنسان على أنه نقص وشر، يمكن تجاوزه بالاستقامة من جديد، بعد توبة واجبة، تبقيه مجرد انحناء عرضي في مسيرته على الطريق القويم. أما الإحداثي السيني فلا يخضع للصادي، حيث يقرر الله في الإسلام حرمات خمساً مطلقة هي «النفس والمال والعرض والذرية والدين»، لا يجوز لأحد النيل منها بأي ذريعة أو مسمى. بل إن الروح القرآني والتعليم النبوي الرائق يفصحان عن ذلك بجلاء، فالله يغفر بإطلاق كل خطايا العبد في ذاته العلية، عدا الشرك به، مهما عظمت أو تكررت، ولكنه لا يغفر ما يقترفه الإنسان من خطايا في حق آخر، إلا إذا سامحه الإنسان المغدور، كما إنه لا يطلب من أحد عقاب أحد على الشرك به، فهذا شأن خاص به.
هكذا يقيد الله غفرانه بتسامح الإنسان لأنه يعلم بحكمته كم تنال خطايا الإنسان من الآخرين وتؤلمهم وهم الضعفاء. أما هو ـ جل شأنه ـ فيملك القوة والجبروت، لا يتألم من شيء، بل يستطيع جبر الإنسان على طاعته، أن يحيله ملاكاً يسبّح بحمده، ولكنه أراد له أن يبقى إنساناً، مريداً وإن كان خطّاء، مختاراً وإن كان ضالاً، يسعى إلى الله بروح المحبة لا قوة الإرغام.
في هــــذا السياق نستطيع أن نصك معياراً لفرز الدين الصحيح من الزائف، فكل اعتقاد يدعو إلى العمـــران، ويقول بمحبة الإنسان، يضع العناية بالبشر والشفقة عليهم في عين قلبه، هو اعتقاد صحيح، وعكس ذلك ليس إلا زيفاً. ففي الدين التوحيدي، كما الروح القـــرآني، يبقى عهد الاستخلاف ضامناً أخلاقياً لإخـــوة البشر، ولو خرج بعضهم عن حدود الإيمان. كما يمكن اعتماد المعيار نفسه لفرز التدين الصحيح من الزائف، فكل تعليم يدعو إلى تحرير الإنسان من سطوة الآخرين يبقى صادقاً، وكل تعليم يخضعه لهم ليس إلا زيفاً، حيث العلاقة طردية بين عمق الخضوع لله وحدود الخضوع لغيره، فالمؤمن الحق يخضع بكل جوانحه لله، ويتأبى على كل خضــــوع للبشر، مستلهماً قوته من نبع الجبروت الإلهــــي، لمــواجهة كل أشكال الجبروت البشري، مقاوماً كل تــــسلط إنساني قد يصادفه على الخط الأفقي بما يملـــكه من طاقة تحـــــرر جــــواني، يستلهمها من المحور الرأسي، مستـــعيناً بالسماء لمواجهة تحديات الأرض. وكل فقيـــه يدعوه إلى غير ذلك إنما يسعى إلى قهره باسم اللـه، لمصلحة سلطة يمثلها، الأمر الذي يجعل كل أشكال التدين الجامد أو العنيف باطــــلة، إذ تهدر المحبة البشرية كما الحرية الإنسانية على مذبح الكهانة الدينية، متغافلة عن منطق الاستخلاف، حيث الله للإنسان، كما أن الإنسان لله.
* كاتب مصري |