كشفت القمة الأمنية الأوروبية الأميركية التي عقدت أخيراً في مدينة ميونيخ الألمانية بعض التوجهات الأولية في الموضوع الذي عقدت من أجله، وقد تابع المراقبون بدقة الموقف الأميركي الذي حلّ للتعبير عنه نائب الرئيس مايك بانس. وقد تكون إحدى الاستنتاجات متعلقة بالطريقة التي ستعمل بها الإدارة الأميركية الجديدة، وهي طريقة توزيع الأدوار بين الرئيس دونالد ترامب الذي سيواصل توجيه خطابه الشعبوي إلى ناخبيه، وإدارته التي ستتحدث مع الخارج باتزان وعقلانية أكبر. وعلى هذا الأساس، أثلج بانس صدور الأوروبيين عندما أكّد أمامهم تمسك بلاده بحلف الناتو بعد أن وصفه ترامب سابقاً بأنه فاقد للصلاحية، ثم حذرهم في الآن ذاته من أن عليهم رفع مساهماتهم في نفقاته، وفي النفقات الدفاعية بعامة.
لكن ما معنى هذا الطلب؟ وهل أن الولايات المتحدة ستراجع موقفها من الحلف إذا لم يستجب الأوروبيون إلى طلبها؟ لم يُخض في هذا السؤال، وربما بدا سابقاً لأوانه. لكن هذا «الوفاق» الذي طرحه بانس لا يمثل خبراً مفرحاً لأوروبا، فهو يعمل في النهاية لمصلحة الولايات المتحدة سواء طبق أم لم يطبق: فإذا اتجهت أوروبا نحو رفع إنفاقها العسكري، فهي ستفاقم عجز موازناتها المالية المستفحلة، وتضطرّ لتعميق سياسات التقشف التي تطبقها حالياً بصفة معلنة أو متسترة، بما يعنيه ذلك من تراجع نفقات الصحة والتعليم والإعانات الاجتماعية، وتصاعد مشاعر الغضب التي تستغلها حركات أقصى اليمين لمواصلة تعزيز شعبيتها. وفي مناخ كهذا، ستفقد جزءاً من قدراتها الاقتصادية والتنافسية أمام الولايات المتحدة. أما إذا لم تستجب البلدان الأوروبية على المدى المتوسط للطلب الأميركي، فستجعل ترامب بعد فترة في حلّ من التزاماته الأطلسية، ويكون معذوراً بعد أن أرسل إليها محذّراً.
لكن ثمة جانباً آخر لم يعره المراقبون الاهتمام الكافي، وقد لا يقلّ أهمية عن السابق. إنّ أوروبا تشهد داخلها تحوّلات بارزة. لقد عقدت القمة في مدينة ألمانية، وقد يبدو الأمر طبيعياً إذا اعتبرنا أن حلف الناتو نشأ في سياق رسم الحدود بين الكتلتين الشرقية والغربية بعد انتصارهما على ألمانيا، وبدأت الحرب الباردة في هذا البلد. لكن العادة أن ألمانيا لا تكون في المقدمة عندما يتعلق الأمر بالشأن الأمني، بل تطرح المسائل الأمنية الأوروبية مع البريطانيين والفرنسيين. لكن بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والضعف النسبي للدور الفرنسي العائد لأسباب داخلية، بدت ألمانيا وكـأنها تتبوّأ موقع القيادة الأمنية لأوروبا، بعد أن احتلت الريادة في الاقتصاد. وكان حديث المستشارة الألمانية الأقوى والأوضح والأكثر ندية مع نائب الرئيس الأميركي، إذ وجهت له تحذيراً بضرورة الالتزام بحرية التبادل التجاري، وأكدت له التزام بلدان الاتحاد الأوروبي زيادة الإنفاق الدفاعي إلى الحدّ المطلوب، أي 2 في المئة من الناتج الداخلي الخام.
هل فوّضت البلدان الأوروبية المستشارة لتقديم هذا التعهّد؟ لعلها لا تحتاج إلى تفويض ما دام هذا الأمر قد تعهدت به تلك البلدان في ما بينها، وقبل فترة طويلة من ظهور ترامب... لكنها لم تلتزمه. ووفق التقرير الأخير للمعهد الدولي لبحوث السلام بستوكهولم، وهو التقرير المرجعي في ميدان التسلح، يتضح أن ألمانيا نفسها لم تحقّق هذا الهدف، فنفقاتها العسكرية ظلت في حدود 1.2 في المئة من الناتج الداخلي الخام (مقابل 2.5 سنة 1988)، ونفقات جارتها النمسا 0.7 في المئة، وبلجيكا التي تحتضن مقرّ الاتحاد 0.9 في المئة، وإسبانيا 1.2 في المئة، وإيطاليا 1.3 في المئة، الخ... وبصفة عامة، تبلغ نسبة نفقات الاتحاد الأوروبي 1.5 في المئة فقط من الناتج الخام. وبعد خروج بريطانيا منه، تظل فرنسا البلد الوحيد القريب من النسبة المطلوبة، وقد تعهد الرئيس الفرنسي باحترامها بعد الرسالة التي وجهها له قادة الجيش بطريقة علنية كان مقصوداً منها الضغط عليه وانتقاد تراجع النفقات العسكرية في السنة الحالية.
لن يكون من السهل على البلدان الأوروبية أن تحقّق النسبة المطلوبة التي قررتها لنفسها قبل أن يطالبها بها ترامب، وسيمثل الالتزام بها عبئاً إضافياً على اقتصادها، باستثناء ألمانيا التي تتمتع بوضع اقتصادي جيّد يسمح لها بسهولة تحقيق هذا الهدف، بل ربما كان رغبة مكتومة لديها منذ فترة طويلة وأصبح قابلاً للتحقيق اليوم. فهي المهيأة حالياً، بسبب نزعة الانكفاء الأميركية، وخروج بريطانيا من الاتحاد، ومصاعب البلدان الأخرى، وقلق الأوروبيين من التهديد الروسي، بلعب دور قيادة ما كان يدعى في الحرب الباردة بالعالم الحرّ.
هنا تبدو بعض بوادر تغييرات مهمة في النظام العالمي في مرحلة ترامب، فهذه المرحلة بدأت تهيئ لألمانيا الظروف المناسبة لاستعادة مكانتها الدولية والتخلص تماماً من وضعيات ورثتها بسبب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية. والفرصة باتت سانحة لها لتضيف إلى ريادتها الاقتصادية لأوروبا ريادة أمنية، وتكون بذلك قادرة على كبح جماح ترامب في التحالف مع روسيا، لأن روسيا تظل في نظر الألمان التهديد الأكبر لهم، ولا يمكن أن يحجبه تنامي الإرهاب الديني في العالم وفي أوروبا ذاتها.
ينبغي أن نراقب بدقة مآلات هذه التغيرات في السنوات المقبلة من حكم ترامب، فهي التي ستحدّد معالم النظام الدولي بأكثر مما سيترتب على تصريحاته وتغريداته الموجهة أساساً إلى ناخبيه والمطبوخة للاستهلاك الداخلي. |